للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[البريد الأدبي]

وصية الرصافي قبيل وفاته

إلى أصدقائي الأحرار الكرام:

أراهم يهيجون على الدوام باسم الدين، وما أظنهم يتركونني حتى بعد موتي. وليس لي من ألتجئ إليه سوى الله، وكفى بالله حافظاً وحسيباً. ليس لي من الأقارب من أعهد إليهم بوصيتي سوى معارفي من الأصدقاء الأحرار من أهل البلاد، فلذا اكتب إليهم عسى أن يقوموا بتنفيذها ولهم من الله الأجر

كل ما كتبته من نظم ونثر لم أجعل هدفي منه منفعتي الشخصية، وإنما قصدت به منفعة المجتمع الذي عشت فيه، والقوم الذين أنا منهم ونشأت بينهم، لذلك لم أوفق إلى شيء في حياتي يسمى بالرفاهية والسعادة في الحياة. لا أملك شيئاً سوى فراشي الذي أنام فيه، وثيابي التي ألبسها، وكل ما عدا ذلك من الأثاث الحقير الذي في مسكني ليس لي، بل هو مال أهله الذين يساكنونني. كل من اعتدى علي في حياتي فهو في حل مني. وإن كان هناك من اعتديت أنا عليه، فهو بالخيار، إن شاء عفا عني وإلا قضى بيني وبينه الله الذي هو أحكم الحاكمين.

أنا والله الحمد مسلم مؤمن بالله وبرسوله محمد بن عبد الله إيماناً صادقاً لا أرائي فيه ولا أداجي، إلا أنني أخالف المسلمين فيما أراهم عليه من أمور يرونها من الدين، وليست هي منه إلا بمنزلة القشور من اللباب. ولا يهمني من الدين إلا جوهره الخالص وغايته المطلوبة التي هي الوصول إلى شيء من السعادة في الحياة الدنيوية الاجتماعية والحياة الأخروية، ما أمكن الوصول إليه من ذلك بترك الشرور وبعمل الصالحات، وكل ما عدا ذلك من أمور الدين فهو وسيلة إليه وواسطة له ليس إلا.

بما أن عبد بن صالح الذي هو معاوني على العيش في مسكني كنت أنا السبب في زواجه، وقد ولد له بنات صغار، وليس له من أسباب المعيشة والكسب ما يجعله قادراً على إعاشتهن، أرجو من أهل الخير في الدنيا ومن أصدقائي الكرام الأحرار أن يسعوا في إيجاد شغل له يكسب به ما يقوم بأعاشتهن، وإن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين.

كل ما عندي من الكتب المخطوطة التي كتبتها أنا، تباع لمن يرغب في شرائها على أن

<<  <  ج:
ص:  >  >>