للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[في ميدان عابدين.]

شهد ميدان العابدين من أيامهم السود سيظلان في تاريخ الاستعمار عنوانين على الخزي واللعنة: يوم صحت أحلامهم فأخذوا يدخلون ويوم زلت أقدامهم فاخذوا يخرجون! أما اليوم الأول فهو التاسع من سبتمبر عام ١٨٨١ يوم وقف عرابي في ساحة القصر، ومن خلف الجنود، ومن خلف الجنود الشعب، يطلب من ولي الأمر في احتشام واحترام أن يسقط وزارة ويقيم وزارة. . .

وكان كلفن ابن جون بول واقفا بجانب الخديوي يشير عليه بقتل القائد الثائر فلما نبا (توفيق) في يد الحية، واستجاب لرغبة الأمة، قبض مشير السوء وسفير الاستعمار بكلتا يديه على ناصية الفرصة العجلى حتى لا تفوت، واخذ يزرع بين القصر والحكومة الزرع الخبيث، حتى فسد الأمر واستطار الشر، وعصفت رياح الفتنة. وحينئذ وضع الماكر الخداع يديه على قوائم العرش يوهم صاحبه إنه يمسكه، وهو الذي يحركه. ثم وجد من طغام الطابور الخامس من إعانة بالخيانة على جيش الثورة، فاحتل البلاد ونفى القواد وسيطر على الحكم!

وأما اليوم الأخر فهو الرابع من فبراير عام ١٩٤٢ يوم وقف مايلز لمبسون حيث كان يقف عرابي، ومن ورائه فلول الدبابات التي طحنها روميل، يطلب من مليك النيل في صفاقة وحماقة أن يسقط وزارة ويقيم وزارة. . . ولكن جون بول في هذه المرة كان هواه مع الأعرابي لا مع القصر؛ فوضع الكرسي بازاء العرش، والطربوش بجانب التاج: ثم دفعه فجور النفس وفحش الضمير ان يقول لمصر وهو يقتحم أبواب القصر بباس الحديد: أيريد أن يحكم هذا الوزير أو لا يملك هذا الملك!!

كلمة مجرمة لم يقلها في ذلك اليوم البعيد عرابي الثائر، وإنما قوله إياها الكذاب ليحكم عليه بالمصادرة والنفي وعلى وطنه بالاحتلال والحماية! ولكن المجرم قالها في هذا اليوم القريب بلسانه البذيء وسلاحه الجريء، فنزت في الرؤوس نوازي الغضب، وثارت بالنفوس عواصف الحمية، وكاد الزمام يفلت من يد الحليم فيلتاث الأمر على إنجلترا لولا أن سبق في حكم الله أن الجبان يهزم الشجاع، وأن العصا تكسر السيف، وأن (العلمين) تدمر المانيا!

لقد أثار جون بول الجيش يوم عرابي، والجيش قد يهزم لأنه عتاد وعدد؛ ولكنه أثار الشعب يوم لمبسون، والشعب لا يهزم لأنه روح ومدد! وإذا دخل اللص منصورا وراء

<<  <  ج:
ص:  >  >>