للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[الشعب المقلم]

للأستاذ أحمد قاسم أحمد

لا أعتقد أن هناك شعبا وهب الحيوية الدافقة، والاستعداد الشره للتطور والرقي، والعقلية الساعية للتجديد والابتكار، ومسايرة ركب الحضارة والتمدن، مثل ما وهب ذلك المكروب. . . شعب مصر. . .!

ولا أعتقد إن هناك ظلما وقع على هذه القوى الحية الدافقة عند أي شعب من شعوب الأرض، مثل الظلم الذي وعق عليها عند هذه الشعب المنكوب. . . شعب مصر. . .!

ذهب قصار النظر في ميادين الاجتماع ودراسة نفسيات الشعوب، إلى اتهامه بما يشين ولا يشرف. قالوا إنه شعب ألف الخنوع والمذلة، واستنام إلى الضعة والمهانة، وآثر حلاوة اللقمة مع لاذعات السوط، على مرارة الكفاح مع عقبى الحرية. . . وهذه هي الفردية التي ظنها الاستعمار حقيقة، فراح يستهين به أي استهانة، ويلهو بإفراده أي لهو.

فهم القطيع العامل إن احتاج إلى العاملين. . .

وهم الطعام السائغ لرصاص أعدائه إن اشتدت به الكربة في الميادين، وهم الملهاة السائغة إن رغب في التفريج عن جنوده المكدودين. ومن هنا قال قائلهم: إن ثورة المصريين جذوة تطفئها بصقه. . .؟ ولكن الحقيقة الهائلة كانت تكمن وراء ذلك. كانت تستقر في أعماق كل فرد من أبناء هذا الشعب. . . كان الشعور بالحرية والسيادة ليس عنصرا دخيلا على نفسه، بل كان تراثا معجونا فيما ورثه عن أبنائه وأسلافه، وعن طريقه نهض يدفع ويدافع، ويبذل ويضحي في كل ثورة ثارها، حمل لواءها وأوقد نارها، واستدارت عينا الدخيل دهشة وعجبا، وتراءت له الحقيقة سافرة، تصرخ في وجهه في قوة وجبروت، أو تهزأ من ظنه في سخرية واحتقار. . . وبانت له الهوة العميقة التي عاش في قرارها ردحا من الزمن، يألف أن يحس الخماد، ولا ينفى أن يشتعل الرماد، ولكن لا يسمح لظنه وخياله أن يسبغا على الحملان الوديعة يوما صفة الثورة للكرامة، والعزيمة للسيادة.

وذهب يتحسس طريقه بعيون غاشية، وأبصار غائمة ونفوس هلعة، فأقبل بالحيلة والمكر، يقدم الاستقلال في طبق المعاهدة، فيحيله من غذاء نافع إلى سم ناقع، ومن حقيقة زاهية إلى أكذوبة واهية، ينخدع لها السذج الأغرار. . . وجازت الحيلة على الزعماء فأقبلوا على

<<  <  ج:
ص:  >  >>