للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[٣ - دانتي الليجييري والكوميدية الإلهية وأبو العلاء]

[المعري ورسالة الغفران]

المطهر

(١) تنفس دانتي صعداءه حين انتهى من دركات الجحيم، وحين هب عليه أول أنفاس الفجر المنعش الندَّي! ونظر فرأى نجوماً أربعة تتألق في بنفسج السماء، ولجةً صاخبة ترغي وتزبد حول جزيرة نائية، ينهض فوقها جبل شامخ رفيع الذرى، كأنما يحمل القبة الأثيرية برَوقْيه؛ وسأل عنه فرجيل فأنبأه أنه جبل المطهر، وأنهما لا بد موقلان فوقه، ليصلوا منه إلى الفردوس

ويلتفتان فيريان شبحاً ميمماً شطرهما، وإذا هو شبح كاتو من يوتيكا، أقبل ينذرهما بما ينبغي لهما أن يتزودا به من الإيمان والصبر في سفرتهما الشاقة في أحياد الجبل، وفوق صياصيه. ويتقدمان من الشاطئ فينضح فرجيل الماء على وجه دانتي، ويلف حول خصره قصبة مما ينبت فوق الشاطئ (٢) وما يكادان يفرغان حتى يريا زورقاً يثب في البعد فوق نواصي الموج، وفيه ملك كريم يجريه بين العُدْوَتين؛ وبين يدي الملك أرواح الموتى، أقبلت من الدار الفانية إلى دار البقاء؛ ويتبين دانتي بينهما روح صديقه كاسيللا المغني الفلورنسي المشهور، الذي طفق يملأ الفجر بأغنياته الحلوة يحيي بها دانتي، لولا أن استحثهما كاتو فانطلقا يهرولان شطر الجبل (٣) وينظر دانتي فلا يرى إلا خياله، حين تشرق الشمس، منبطحاً على السفح وراءه، فينزعج ويحسب إن فرجيل قد غادره ورحل، ولكن فرجيل يطمئنه، ويخبره أن أرواح الموتى إن هي إلا أضواء شفافة لا تكون لهلا ظلال كما لأهل الدار الفانية. ويبلغان منحدراً صعباً لا يستطيعان تسلقه، ولكن بعض أرواح الموتى تدلهما على شِعبْ ضيق فينفذان منه ويلقيان فيه الملك منفريدي ملك نابلي الذي يعرف دانتي، ويرجوه، إذا رجع إلى الدار الأولى، أن يلقي ابنته كونستانزا ملكة أرجوان ويحدثها عن حكاية مقتل والدها التاعس الذي لا يدري أحد كيف قتل (٤) ويُصعدان في الجبل، في طريق كلها نؤى وركام وأحجار، ثم يجلسان عند منعرج يستريحان مما عراهما من نصب. . . حيث يهتفُ بهما بعض أرواح الموتى، ويعرف

<<  <  ج:
ص:  >  >>