للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بين المتنبي وكافور]

دراسة يائية المتنبي في مدح كافور

للأديب نور الدين شمسي

ليس يعنينا في دراستنا لقصيدة المتنبي أن تقف على كل شاردة وواردة فيها، نشرحها ونعللها ونبين ما تنطوي عليه من معنى وما تحويه من لو أن القبح أو الجمال، لأن هذا يخرج بنا عن نطاق الدراسة العاجلة التي نريد بها اليوم أن تقف على قصيدة الدراسة العاجلة التي نريد بها اليوم أن تقف على قصيدة المتنبي جملة فنقرر ما إذا كنا نستطيع أن نرفع من شأنها لنضعها في عداد فوائده وروائع قصائده. . . أو أن نضع من شأنها فتلقي بها بين قصائده التي ابتعد فيها عن عبقريته وانحط من عليائه. . أو أن نلتمس لها مكانة بين المكانين لا نرفعها ولا نضعها. . وإنما ننظر إليها على أنها قصيدة استوى فيها عمود الشعر وأخذت من جماله بنصيب.

الحق أن المتنبي ليس كغيره من الشعراء، وإذا أردنا أن ندرس قصيدته فما ينبغي لنا أن ندرسها كما ندرس أية قصيدة أخرى لأي شاعر آخر. . وإنما يجب أن نراعي خلال ذلك اعتبارات لن نستطيع مطلقا أن نفهم القصيدة ما لم نقف عندها مليا ونتأملها طويلا.

فالمتنبي شاعر طموح كبير النفس، لازمه طموحه منذ أن كان صبيا حتى وافاه أجله وانتهى إلى نهايته. . وطموحه هذا هو الذي جعله في كثير نم الأحيان يخرج عن المألوف فيفخر بنفسه فخرا لا يدانيه فخر، ويعجب بقوته عجبا لا يماثله عجب، وينظر إلى نفسه على أنها من نفوس الملوك والأمراء وإن وضعتها المقادير غمطا وإجحافا في مصاف الشعراء الذين لا حول لهم ولا قوة:

همتي همة الملوك وإن كا ... ن لساني بري من الشعراء

إذا فهمنا هذه الناحية من حياة أبي الطيب فقد وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام أعذار جمة نستطيع معها أن نقبل من المتنبي إسرافه في مدح كافور في يائيته.

ذلك أن نفس أبي الطيب كانت تتململ بين جنبيه وتأبى أن تظل هكذا بعيدة عن العظمة التي خلقت لها بينما يتمتع بها أناس ليسوا بأحسن منه حالا ولا بأطول باعا ولا بأرسخ في العلم قدما. ولذا نراه يطلبها جادا وبأي ثمن فيمدح العبد ويقدم بين يديه الشعر الرفيع

<<  <  ج:
ص:  >  >>