للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[لم الفرار إلى هنالك؟]

للدكتور بشر فارس

لست بسليم أية سلامة حتى إني أُعرض عن الاستشفاء، ولكني لا أرحل صيف كل سنةٍ إلى أوربة رغبة في معالجة كبد أو مراقبة قلب. ولست ممن يهوى الحر والسَّموم، ولكني لا أرحل طرباً إلى (النسيم العليل) (متى يموت هذا التعبير وأخواته، يا أيها الناس؟!). ولست من يحب أن يقال فيه: (هذا رجل يعود من أوربة)

ولكني أرحل إليها. . . بل أَفر إليها.

مما وممن؟

أتصافيني فأصارحك؟

أفر من مصر ثم مني. . . ومنك.

أفر من مصر لأنَّ لها من نفسي موضعاً عزيزاً. ألم يتفق لك (أعانك الله على مصاحبة النساء!) أن تمل صحبة المرأة التي تخصها بوثبات ودك، وترعاها بلفتات طرفك، وتحيطها بنبضات قلبك (ولعله باقٍ على خفقانه)؟ نهاية الحب بغض أو عراك. ولا بدَّ من القطيعة لصيانة الشوق؛ والشوق نشاط، والنشاط حياة

بيني وبين مصر مغاضبة. أريدها أن تقدم رِجلاً عازمة إذا مضت قُدُماً وهي تأبى إلا أن ترتاب في قدر الخطوة التي جرؤت عليها، كأن الموضع الذي تخطته فردوس (مِلتن). وكثيراً ما تنتقم من الرِجل التي تقدمت بالاستواء في وقفتها أو (معاذ الله!) بالإدبار: نُصب ماثل في عرض الطريق والخلق من خلفه يتأملون وأَعينهم يُدَغْدِغها النعاس!

لا نزال نحن المصريين نركب قطاراً يذهب بنا ويجئ من موضع منظور إلى آخر معلوم، فتارة يمهل في محطة قائمة في أول (الخط) وأخرى في محطة في آخره أو منتصفه. وأما الذي يلي الموضعين شمالاً وجنوباً فغير واقع بعد في دليل (السكة الحديدية).

هذا الصداع الذي بين التوثب والتقبض يفتح باباً عريضاً لأسباب المناقضة والتمزق، وألوان المناوأة والتشيع، ثم يروِّج البضاعة الخفيفة على صنوفها ويُدخل الغرور في أنفس أصحابها. فتضيع الموازين وتفتر العزائم الصادقة ويزيغ حكم الجمهور.

وحبي الثقافة مثل على ذلك.

<<  <  ج:
ص:  >  >>