للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

نفسه في مأمن من غضبي - إما لكبر سنه، وإما لسمو مكانته عندي - أن عيبي الأساسي هو أني رجل خيال، أو بعبارة أصح رجل كتب لا أدري شيئاً مما تقوم عليه الحياة بين من يفهمون الحياة، وهو - كما ترى - سب ولكن على صورة (ذوقية) إن جاز اصطناع الذوق في السب، وإلا فما الفرق بين هذا وبين قولهم: إني جاهل غر مثلاً؟

وأكثر من ذلك لقد كان مرد كثير من أخطائي في معاملة من تربطني بهم صلة العمل الذي أكسب قوتي منه إلي جهلي بطباعهم، وأقل إلي جهلي بمبادئهم. ولطالما سبب لي ذلك كثيراً من العنت. . . فأنا على حق إذا تدبرت ما تقول الكتب، وأنا على باطل إذا قست ما يصدر عني بأقيستهم. وأنا لا أدري أأسير طوع الكتب فلا أفرغ من الخصام والحرب وإن أرحت ضميري بذلك، أم أسير وفق تعاليمهم فأكسب الهدوء والسلام. وكادت تقل ثقتي بنفسي لما رأيت شبه إجماع ممن أخالط على إنكار مسلكي، حتى لقد وقفت أحياناً أسأل نفسي: أأنا الغر حقاً، أم أنهم هم الإغفال الأغرار؟

لذلك طويت كتبي زمناً ورحت أتعلم مكر الناس لا لأمكر مكرهم، ولكن لآمن منهم فلا يكون سبب كثير من متاعبي. ونظرت من وراء منظاري ورحت أتدبر فزادتني هذه التجربة اعتقاداً بأن الكتب جنت علي بقدر ما قدمت من قواعدها إليّ. . .

وما لبثت أن رأيت منظاري يقع على كثير مما أصيب فيه الدرس، حتى لقد أصبحت أشبه نفسي بأولئك الفلاسفة الأقدمين الذين لم يأخذوا فلسفتهم من الكتب، وإنما أخذوها من الحياة!

وليت لي مثل بصير هؤلاء. . . إذاً لأفدت من العلم من وراء المنظار ما لم يأتيني من جميع ما في دار كتبنا العظيمة من كتب، ولكن لا ضير أن أنظر وأن أطيل النظر، وأن أدور بمنظاري هنا وهناك في المدينة وفي القرية، في القصر وفي الكوخ، في (الدواوين)، وفي الطرقات والمتاجر والمنتديات ودور اللهو، في الحقول على المصاطب وفي الأسواق، وفي غير ذلك جميعاً من نواحي هذا المضطرب الواسع، أو هذا المسرح الهائل الذي تمثل عليه الحياة. ولعل طول النظر وتنوعه يعوض على ما فاتني من العلم فيما تصرم من سني عمري بين أوراقي وكتبي

(شين)

<<  <  ج:
ص:  >  >>