للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ذلك في أسلوب هو إلى الغناء أقرب، وجمل حاسمة تهز النفس هزَّا.

مغزاها أن الإنسان في هذه الحياة إنما يكفِّر عن ذنوب لم يجنها. ويحاول المؤلف تعليل ذلك فيقول: (فهل تُرى نكفر عن ذنوب نجهلها، اقترفناها في عوالم سابقة، وعاشت فينا خلال حيوات وموتات عدة، حتى إذا ما آن ان نتطهر منها، انتهى بنا المطاف إلى هذا المبكى لنغتسل عليه؟)

وفي سياق الوصول إلى هذا المغزى الرهيب، تعرض الرواية لمشكلات اجتماعية خطيرة كمشكلتي الفقر والزواج، ومشاعر إنسانية دقيقة كالتضحية والصراع بين الروح والجسد.

ومن جميل ما جاء في هذه الرواية قول زينات لمختار قبيل يفرها: (أذاكري أنت يا مختار؟)

فيجيبها: (وما شغلي غيرك؟ نعم سأذكرك يا زينة. سأذكرك كلما غرد طائر، فأبلغني منك رسالة، أو نشرت زهرة عطرها، فنشقت فيه أنفاسك. سأذكرك كلما سمعت حديثك في خرير الجدول، أو أنصت لهفهفة شعرك في حفيف الغصون. سأذكرك في كل وقت، وأراك في ركاب كل شيء جميل: في مواكب الضياء التي يجرجرها الصبح، وفي القمر المطل على المروج مساء، سأراك، نعم سأراك يا زينات.)

فتجيبه: (وأنا أيضاً سأذكرك. وسأبعث إليك بشوقي الجريح في مغرب كل شمس. وبالتحايا مع الطيور العائدة إلى أوكارها. فإذا ما رأيت الدماء في الشفق تسيل، فاعلم أنها أشواقي. أو طرق سمعك نوح حمامة، فاعلم أنه بثي ترجّعه. وسأقطف الأزهار في الصباح، وأضعها في الجدول ليحملها إليك. وأضمخ بالعطر النسيم الساري ليملأ به جوَّك. ارقبني يا مختار في كل شيء. وانظرني في كل شيء. وإذا ما رأيت كوكباً يتهاوى، فاعلم أنني خررت صريعة حبك، ولا تترقبني بعد ذلك.)

والرواية كلها تكاد تكون على هذا النسق. وهي وإن أغرقت أحياناً في الخيال، إلا أن جوّها الساحر الذي يوقعك تحت سلطانه، ينسيك ذلك. كما أن أصحاب المزاج الشعري يجدون فيها بغيتهم. ولقد فازت في مسابقة القصة التي أجرتها وزارة المعارف، كما عنيت بنشرها مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة.

(م. ع)

<<  <  ج:
ص:  >  >>