للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فقد أحسن المعري التعبي عنهما، بهذين البيتين، وان كان يفصله زهاء من الزمان بعد مولد أولهما وثلاثة قرون قبل مولد الآخر منهما. وكأنما ألهما المعري قوله:

(إن جدَّ عالمك الأرضي في نبأٍ ... يغشاهم، فتمثل جدَّهم لعبا)

وقوله:

(تَرَجَّ - بلطف القول - ردّ مخالفٍ ... إليك، فكم طِرْف يسكَّن بالنَّقْر)

١٥ - تشابه الرجلين:

لقد تشابه الجحيان - كما أسلفت لحضراتكم - كما تشابه الموز أو البرتقال في رأي بعض الشعراء حين قال:

(. . . . . . . . . . . . فالفم ملآن به فارغ سيان قلنا: مطعم طيب فيه، وإلا مشرب سائغ)

تشابه الرجلان وامتزجت آثارهما، وبعضهما ببعض كما امتزجت - بعد ذلكم وقبله - بالكثير من آثار غيرهما من الشخصيات الجحوية وما إليها. وما أضيف عليها مما تخيله المتخيلون، وانتحله المنتحلون، حتى أصبحت كلمة (جحا) الآن كافية للتعبير عن كل جحا، في كل عصر، وفي كل أمة كما أصبحت كلمة (خرافة) أيضاً كافية للتعبير عن كل حديث خيالي لا حقيقة له: قديما كان أو حديثا، رائعاً أم سخيفا، عربيا أم أعجميا، شرقيا أم غربيا، وقد اصبح الرمز الجحوي - على توالي الأجيال أشبه بالرمز الجبري، فإن (س) تارة تساوي مليونا من الجنيهات، وتارة تساوي عشر تفاحات، وثالثة ست دجاجات، ورابعة صفراً.

وقد ألف (كارليل) - فيما يعلمه الكثيرون منكم - كتاب الأبطال، فتحدث عن البطل في صورة نبي، والبطل في صورة زعيم، والبطل في صورة قائد، والبطل في صورة شاعر وهكذا.

وسيرى المتتبع لتاريخ جحا وما نسب إليه من أخبار كيف سلك المتحدثون عنه مثل هذا المنهج، أو قريب:

فمثلوا لنا جحا في صورة فيلسوف، وجحا في صورة أبله، وجحا في صورة قاض، وجحا في صورة متقاض، وجحا في صورة سارق، وجحا في صورة مسروق، وجحا في صورة

<<  <  ج:
ص:  >  >>