للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أخفف جريمتي هذه، فقلت لنفسي: إنني سأساعد أول فقير أصادفه في طريقي بعد الآن.

وظننت إن هذا العزم سينقذني من تقريع ضميري، ويخلصني مما استولى علي من ضيق، ولكنه على عكس ما كنت أتأمل، فإن هذا الشعور، أخذ يزداد وبكبر، وأحسست في نفسي بما يشد قدمي، ويمنعها من متابعة سيرها، والعودة بي إلى ذلك المسكين. ورفعت (سوزان) وجهها الصغير إلي، وقالت:

- أماه. . .

- ما بك يا عزيزتي؟

لم لم تمنحي السائل الذي رأينها في الطريق شيئاً من المال؟

فعلت أن طفلتي، لم تركن إلى السكون، ولم تخلد إلى الصمت، إلا لأنها كانت مثلي مشغولة البال بذلك السائل المسكين، فقلت لها:

الحق معك يا عزيزتي، سنعود إليه ثانيةً.

وألقيت نظرة على ساعتي، فوجدت أن هناك متسعاً من الوقت لكي أعود إلى الصبي المسكين، وأمنحه شيئاً من النقود، ثم أعود بطفلتي إلى مدرستها.

ولم أتردد في استدعاء عربة، عدنا بها إلى (الشانزليزيه)، وكانت (سوزان) خلال الطريق، قلقة النظرات، وكنت أنا أحس في نفسي بمثل قلقلها خوفاً من أن لا نجد الصبي في مكانه.

ووصلنا المكان الذي أبصرناه فيه فلم نجده هنالك، فسألنا عنه عجوزاً كانت تحرس أحد الأبواب، فقالت لنا إنها تذكر إنها رأته قبل دقائق، وإنها لم تره في هذا المكان إلا اليوم فقط.

وينما نحن نهم بالرجوع خائبين، وإذا (بسوزان) تلمحه من بعيد مستنداً إلى جذع شجرة كبيرة. فأسرعت إليه بالنقود، ووضعتها في يديه، وعادت إلي مسرورة مغتبطة. أما أنا، فقد شعرت كأن عبئاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهلي، وراحة لطيفة تعود إلى نفسي.

وسكتت الحسناء، فخيل إلينا أننا نعيش في جو غير الذي كنا نعيش فيه، وإننا نحيا حياةً غير تلك التي كنا نحيها، وكأننا كنا نقف خاشعين أمام فيض من الإنسانية والرحمة.

البصرة (عراق)

يوسف يعقوب حداد

<<  <  ج:
ص:  >  >>