للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

يبلغ الرابعة عشر من عمره أوبرا باللغة الإيطالية في ميلانو أسماها أحرزت نجاحاً منقطع النظير، ومنذ ذلك الحين اعتبر هذا الفتى سيد الموسيقى وزعيمها. وفي سنة ١٧٧٣ وبعد أن عاد إلى مسقط رأسه أخرج أوبرا بمناسبة زواج البرنس فرديناند فاقت كل ما أخرجه قبل ذلك حتى قال عنه أكابر الموسيقيين (إن هذا الصبي سيجعلنا نسياً منسياً) وزاد حسدهم له وحقدهم عليه كما زادت دسائسهم عليه في قصر الإمبراطور. وبالرغم مما كان يلاقي بسبب ذلك كله من ويلات، وما كان يعاني من ضيق وضنك، فإنه أستمر في إتمام رسالته بما كان ينفثه في الموسيقى من سحر، حتى اعترف له الجميع بأنه أدخل عليها تعديلات وتحسينات غيرت من طبيعتها. وكان أشد الحاقدين عليه في حياته ولما توفي في يوم ٥ من ديسمبر سنة ١٧٩١مات معتقداً أن هذا الرجل هو الذي دس له السم في الدسم كما كان يعتقد الكثيرون، فراح بذلك ضحية نبوغه وعبقريته. ولكن النمساويون الذين يقدرون الفضل لذويه إن كان فاتهم أن يواسوه في حياته، فلم يفتهم أن يكرموه بعد وفاته فلقد رأيت له تمثالين عظيمين رفع أحدهما بين القصر الإمبراطوري ودار الأوبرا في فينا يحف به تلاميذه بآلاتهم الموسيقية ورفع الثاني في أفخم ميدان في مدينة وهم فوق ذلك يقيمون لذكراه في هذه المدينة عيداً سنوياً في شهر أغسطس من كل عام حيث يهرع إليه أكابر الموسيقيين والممثلين من فيّنا وغيرها من بلاد النمسا لإقامة الحفلات وتمثيل مختلف الروايات، فتراها غاصة بالجماهير من مختلف الشعوب بين إنجليز وأمريكيين وغيرهم. وقد بدأ عيد هذا العام يوم ٢٨ يوليه وانتهى يوم ٢ سبتمبر وكان لي حظ مشاهدة كثير من مظاهره في تلك المدينة الجميلة. وقد مثلت هذا العام في هذا العيد بعض الروايات المشهورة مثل , ست مرات كما أعيد تمثيل كثير من الروايات الأخرى في ال وفي مدينة مسرح اسمه لا يعرف له قط نظير في العالم وقد حضرت فيه تمثيل رواية يرفع الستار فترى أمامك دمى لا يزيد طول الواحدة على ثلاثين سنتمتراً تتحرك أمامك على المسرح وتتكلم وتمثل أدوارها بغاية الدقة والإتقان تسطع عليها أنوار قوية زاهية مختلفة الألوان. ولقد كنت دهشاً طوال مدة التمثيل لحركات تلك الدمى العجيبة وللمناظر الرائعة التي كانت تسحر الأنظار وتأخذ بمجاميع القلوب. فلعل أحد علمائنا يفسر لنا حركة تلك الدمى على المسرح.

<<  <  ج:
ص:  >  >>