للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لولاه لكانوا في الأرض أغناماً لسباعها، أو أسلاباً لناسها.

أيْ نبتون!

تضيع بهجة هذا المكان، وتذهب وداعة هذه البحيرة، مادمت قائماً فيها برمزك هذا الخشن.

وكأني بصاحب المكان فظاً غليظ الفؤاد، إذ يجعل جباراً يداعب ضعيف الجناب! أي ضعف في الذوق! وأي خشونة في الطباع أشد من أن يقيم المنسق رمزاً للخشونة الواضحة، والقسوة المتجددة، في المكان الساكن، ذي الروح الوديعة، والجو الهادئ. . .

كأني بهذا المنسق، وقد أقامك بين هدوء المكان وبهجته، بل وقد حبسك في هذا القفص الرطب. كأني به يستهزئ من قوتك، ويستنزل من شأنك، فيقيم الرمز الثقيل في بحيرة صغيرة، تكاد تكون نقطة في بحرك.

أم أن هذا المنسق حكيم بصير! أراد تغليب صفاتك القاسية على ميزات المكان اللينة، فيقول للناس بذلك، وهم وقوف عند البحيرة المسكينة المستسلمة - يقول: أحقاً أيها الناس أرباب العواطف، أحقاً تشعرون بجمال هذا المكان ووداعته، وهاهو ذا تمثال طاغية يذكركم بأمواج كالجبال، وطباع كالبحار، ودخيلة لا أمان لها؟ أتظنون أن طائر الرحمة والرضا، يأوي إلى القلوب، وهو يرى رمز القسوة والحماقة قائماً ماثلاً؟

أتظنون أيها الفنانون أن في هذا العالم جمالاً صافياً خالياً؟ جمالاً للجمال. . .

لا أدري حقيقة ما يقصد صاحب المكان، ولكن خطأ يا سادة أن تقيموا هذا الرمز الخشن في هذه الطبيعة الناعمة. إن من جمال النفس أن تجمع بين الماء والخضرة (والتمثال) الحسن.

وإن الذي يأتي إلى هذا المكان الهادئ، لا يقيم قليلاً حتى يمسه تيار قاتم من روح هذا الجبار العتيق. يشعر وسط هذا النعيم الأخضر بلفحات من جحيم الحياة القاسية.

فيا حراس المكان وحفظة السلام، ويا أهل الجمال، أزيلوا هذا الرمز الخشن، وردوه إلى حيث تتناسق صفاته وقسوة الطبيعة فتكونون قد صنعتم جميلاً، وأرضيتم أهل الخيال وأهل الحقيقة.

(حديقة انطونيادس)

إسكندرية

<<  <  ج:
ص:  >  >>