للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

تخاذل حديث (البك) واسترخي حتى انقلب إلى أنة موجعة وشكوى أليمة! قال وهو يطلب من الغلام جمرة ترسل النار في النرجيلة الخامدة: منذ حبَّب إليَّ أبنائي - وهم في المدارس كما تعلم - أن أنقل البيت من القرية إلى الحاضرة، انقلب وجودي رأساً على عقب! فأنا أحيا كالغريب، وأعْمَه كالشريد، وأمشي كالتائه. نقصت غلة الأرض لإتكائي في زرعها على الناس، وزادت أكلاف العيش لاعتمادي في الوجاهة على الشرف، وفدحتني أعباء الديون فأنا من شواغلها في غصة لا تساغ وكربة لا تنسلي، وفسدت على سياسة الأسرة، فالبنون لا يريدون العمل في غير الحكومة، والبنات لا يرغبن الزواج في غير المدينة، والزوجة تأبى إلا

أن تكون كزوجة فلان باشا: لها في كل يوم ملهى، وفي كل أسبوع وليمة، وفي كل شهر (مودة)، وفي كل عام مصيف. فأنا يا صديقي مذبذب العيش بين هنا وهناك، لم أستفد من مزايا الحضر من أتساق الأمر واطراد الحياة، ولم أستعد محامد الريف من سعادة النفس وبساطة العيش وخلوص الفطرة وصحة الدين وسلامة الثروة؛ فهل تطمئن على هذا الحال نفس. وهل تشرق في هذا الوجود سعادة؟ فقلت له وقد تمثل في خاطري ما دهى القرية وأصاب الأمة من أمثال هذا الرجل:

لو أن سراة الريف استقبلوا من أمرك ما استدبرت لما كانوا على أنفسهم شراً وعلى قراهم جنابة. فانك لو بقيت في قريتك، وقمت كما كنت تقوم على تدبير ثروتك، وعاد بنوك من الكلية فاستثمروا علمهم فيها، ونشروا مدينته وثقافتهم بين ربوعها وأهليها، ورجع بناتك من المدرسة فبثثن في نسائها النظام والتدبير والذوق بالإرشاد والقدوة، ثم فعل غيرك ما فعلت، إذن لوفر فيها الرزق، وورف عليها الأمن، وانتقل إليها العلم، وتذوق أهلها المساكين جمال الحضارة ونعيم الصحة ولذة المعرفة، وشعرت أنت في هذه البيئة شعور الغبطة والرضا، لأنك أعنت فريقاً من ضعاف الناس على أن ينعموا بحياتهم ويقوموا بواجباتهم على الوجه الأكمل.

ولكن أكثر القرويين متى ارتجع كثيراً من المال، أو شدا قليلاً من العلم، أغلق (المضيفة)، وخرب (الدوار)، وخلف القرية للفاقة والجهالة والمرض. فلولا أشعة من نور الأزهر الخالد تنتشر في هذه القرى فتدعو إلى الله، وتهدي إلى الحق، لظل الريف وساكنوه على الحال

<<  <  ج:
ص:  >  >>