للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

لقي المحن التي لا تحتمل والمكروه الذي لا يطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فتحت له أبواب الأمل، وفرج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب، أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر. ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاء كلها، وإباء كلهَا، وصبراً كلهَا، وثقة بالله كلها. ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبق له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه وإذا المبشرات ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بشر به، ويجد المسلمون أن عينه قد قرت فتقر عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال، ولكن الله يأبى ألا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً وإذا إبراهيم ينزع منه ولما يتم الرضاع. افتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف. كلا. إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف. لم يتم إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة. وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وأنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملا أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر، لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راض بقضائه، مذعن لأمره مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان. وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتم مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا. ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا؟

<<  <  ج:
ص:  >  >>