للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

الجميع من وجوده، وانقضى زمن طويل لم يعثر أحد فيه له على أثر حتى صادفه أخوان: هما مالك وعقيل، وقد وجداه عرياناً متوحشاً يهيم على وجهه، فاهتما به وألبساه ومثلا به أمام الملك الذي غلب عليه السرور فوعدهما ألا يرد لهما طلبة يسألانه إيّاها، فاختارا الشرف الذي لم يجرؤ على طلبه إنسان قبلهما قط: وهو أن يكونا نديميه، وعرفا فيما بعد باسم (ندماني جذيمة)

وكان جذيمة هذا أميراً مفكراً شجاعاً، وفي إحدى حملاته ذبح عمرو بن ظرب بن حسان بن أذينة، وهو رئيس عشيرة عربية كان قد ضم جزءاً من سورية الشرقية وأرض الجزيرة إلى نفوذه، والذي يتضح لنا أنه (كما هو ظاهر من اسم أذينة) كان بعينه أذينة زوج زينوبيا، يؤيد هذا الرأي ما قاله ابن قتيبة (وخطب جذيمةُ الزباء، وكانت بنت ملك الجزيرة وملكت بعد زوجها) وطبقاً لما يراه المؤرخون المسلمون، فقد كانت الزباء ابنة عمرو بن ظرب، واختيرت لتكون خليفته، بعد ترديته في ساحة القتال، ومهما يكن هذا الأمر فقد برهنت على أنها امرأة نادرة الشجاعة ذات عزم جبار، ولكي تأمن شر الغارات شيدت حصنين قويين على شاطئ الفرات جعلت بينهما نفقاً، وأقامت هي في أحدهما وسكنت أختها زينب في الآخر، فلما اجتمع لها أمرها واستحكم ملكها أجمعت على غزو جذيمة ثائرة لأبيها فكتبت تقول له إنها قد رغبت في صلة بلدها ببلده، وإنها في ضعف من سلطانها وقلة ضبط لمملكتها وإنها لم تجد كفؤاً غيره، وتسأله الإقبال عليها وجمع ملكها إلى ملكه، فلما وصل ذلك إليه استخفه الطرب ولم ينتصح برأي مشيره، فقال له قصير مرشده في طريقه (انصرف ودمك في وجهك) حتى إذا شارف مدينتها قال لقصير: (ما الرأي) قال: (ببقّة تركت الرأي) فراحت مثلاً، ثم استقبله رسلها بالهدايا والألطاف فقال: (يا قصير كيف ترى؟) قال: (خطر يسير في خطب كبير، وستلقاك الخيول، فأن سارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أخذت في جنبيك وأحاطت بك فالقوم غادرون، اركب العصا (أي فرسه) فإنها لا تدرك ولا تسبق قبل أن يحولوا بينك وبين جنودك) فلم يفعل، ولما أحيط بجذيمة التفت فرأى قصيراً على فرسه العصا، وقد بعدت ثلاثين ميلاً، وأدخل جذيمة على الزباء، ثم أمرت جواريها أن يقطعن رواهشه في طست من ذهب وقالت: (يا جذيمة لا يضيعن من دمك شيء فإنما أريده للخبل)، ثم سقطت نقطة من دمه على اسطوانة رخام ومات

<<  <  ج:
ص:  >  >>