وعلى بعد ثمانية كيلومترات منها. وعندها تقع (المعدية) التي ينتقل عليها المسافر من شاطئ القنال الغربي، إلى شاطئه الشرقي - أو من شاطئه الإفريقي إلى قرى شاطئه الآسيوي كما يقولون - فاضطررنا إلى الوقوف هنا ريثما يقوم عامل (الجمرك) بتفتيش أمتعتنا. وقد عجبت لهذا العمل ونحن إنما ننتقل من أرض مصرية إلى أرض مصرية. فلما استفسرت عن السبب علمت أن المنطقة التي نريد أن ندخلها خاضعة لمصلحة الحدود. والنظام الإداري في تلك المصلحة يكاد يكون مستقلاً عن إدارة الحكومة المصرية. وأنه محظور على من يريد دخول الصحراء في تلك الجهة أن يكون معه سلاح ناري تنفيذاً لأمر المصلحة الذي يقضي بعدم صيد الغزال مثلاً في تلك المنطقة. كما أنه من المحظور أيضاً أن يحمل المسافر معه آلة تصوير حتى لا يسجل بها مناظر ترى المصلحة أنه من الواجب المحافظه على سريتها. وكانت النتيجة الأولى لوقفتنا هذه في محطة الكوبري، أني خسرت آلة تصويري، لأني اضطررت إلى تسليمها من تلقاء نفسي، وبذلك ضاعت علي فرصة إحدى المفاجآت التي كنت دبرتها للإخوان. على أن هذه لم تكن خسارتي الوحيدة. فقد بدأ لبعضنا أن يتناول وجبة خفيفة في ذلك المكان تكون بمثابة الفطور لمن فاته الإفطار في منزله. وكنت أنا من هؤلاء. فأردت بعد لقيمات ازدردتها أن آخذ جرعة من الماء فهممت بتناول واحد من (ترامسي) ولكن سبقتني إليه يد أحد الزملاء الكرام يريد أن يبالغ في الحفاوة بي فلا يدعني أقوم بهذه الخدمة الهينة لنفسي فما راعني إلا أن أراه يملأ كوب الترموس من ماءه المعطر المثلوج ثم يهزه في يده هزات يريقه من بعدها على الأرض كما لو كنا نستقي من (زير) بجوار سوق في إحدى قرى الريف، فهو يريد أن يكفل نظافة (الكوز) مما يكون قد علقه به من الغبار! وأردت أن أعوض ما شربته الأرض من مائي العزيز فاقتصدت في الجرعة التي شربتها واكتفيت منها بمصتين لأني كنت أقدر ما نحن مقبلون عليه من الجفاف والجدب. ولكن حلا لبقية الصحب أن يستقوا فأدار الساقي عليهم من أكوابي، ودخلت الصحراء بنصف ما كنت تزودت لها به من الماء. وكانت هذه خسارتي الثانية في مستهل الطريق.
وحملتنا (المعدية) بسياراتنا فنقلتنا إلى الشاطئ الشرقي. وبدأنا عقب ذلك رحلتنا الشاقة في وسط الصحراء حيث لا شيء إلا الحصى والرمال في طريق متشابهة لا أثر فيها لأي نوع