للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

يتسللان. . .

وأشرق نور الإيمان في قلب عمار بن ياسر فما استطاع أن يكتم نزوات الفرح والغبطة في قلبه، فراح إلى أبيه (ياسر) وأمه (سمية) يحبب إليهما الإسلام فأسلما. وانطلق هو يعلن عن إسلامه في جرأة لا يرهب القوة والثائرة، ولا يخاف العذاب الأليم

وأفتتن آل حذيفة في تعذيب آل ياسر - وما آل ياسر سوى عمار وأمه وأبيه - لا يتورعون من شر. . . لقد مات ياسر في العذاب، وماتت سمية إثر طعنة من يد أبي جهل؛ وعمار يشهد فما وهن وما استكان، فأغلظوا عليه وفي قلوبهم مراجل من الغيظ يحمى عليها بنار من الصلف كلما خبت زادها الشيطان سعيراً.

وفي ذات مرة أخذوا يغطونه في الماء المرة بعد المرة فما تركوه حتى نزل عند رأيهم وقد بلغ به الجهد مبلغه، وهم يقولون له: (اللاّت والعزى إلهك من دون الله) فيقول هو: (نعم) ويقولون له: (هذا الجعل إلهك) فيقول: (نعم). وحين انفلت من بين أيديهم استشعر وبال أمره فراح يكفر عن خطيئته بعبرات الأسى والندم، ويستغفر الله أن زل لسانه، وفي قلبه حسرات وحسرات. ولقيه رسول الله (ص) وهو في أحزانه ما يستطيع أن يكفكف بعض عبراته يمسح عن عينيه وهو يقول: (ما ورائك؟) قال عمار: (شر يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير) فقال: (وكيف تجد قلبك؟) قال: (مطمئن بالإيمان) قال (فإن عادوا فعد) فانطلق عمار وقد مسحت كلمات النبي (ص) على أحزانه

وانطلق الفوج الأول من المسلمين إلى الحبشة فراراً من أذى قريش وخوفاً من الهوان والفتنة، وعلى أثره الفوج الثاني وفي أكبادهم حرق أن نأوا عن وطنهم وأولادهم وعشيرتهم، وعمار صابر على أذى الكفار يتحمله في جلد وصمت على حين لا يستطيع أن يصبر عن مشرق النور والرحمة من وجه النبي (ص)، وما يزيده العذاب إلا إيماناً بمحمد (ص) ودين محمد

وهاجر عمار - فيمن هاجر - مع النبي (ص) إلى المدينة فهبطها ضحى، فما تلبث حتى أخذ يشيد للرسول مسجداً يقيم فيه الصلاة في غير حذر ولا رقبة، وفي نفسه اللذة والطرب وهو ينشد: (نحن المسلمون نبتني المساجدا) ورسول الله يردد: (المساجدا) واندفع القوم يشد بعضهم أزر بعض يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة غير عمار فهو يحمل لبنتين لبنتين،

<<  <  ج:
ص:  >  >>