للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

هوداً، حتى يصح افتراض اصطحابهم لأحبارهم! والذي عندي أن هذه الأبيات مفتعلة في العصر الإسلامي.

إذا وضعنا أمام النظر كل هذه التحقيقات بان لنا أولاً: أن قصة مسير الأحباش إلى مكة بقصد هدم الكعبة دون غيره ليست جاهلية، وإنما تعود بأصل إلى الإسلام

ومن هنا نجد أن تعليل تعرض الأحباش للحجاز في طريقهم إلى فارس بأن القصد منه محاولة هدم الكعبة وصرف الناس عنها ليست إلا أسطورة نشأت بعد أن قام الإسلام وذاع وانتشر بين العرب واستقر في الشرق وارتفع شأن مكة وأصبحت الكعبة قبلة المسلمين. فعمل الرواة على أن يربطوا بين وجود هيكل النصارى في اليمن وبين حملة الأحباش على الحجاز في سبيلهم إلى فارس فكان لهم من ذلك قصة محبوكة. ومما لا ريب فيه أننا قد وضعنا اليد على مواضع الصنع في هذه القصة التي ترويها الكتب العربية، وكشفنا عن الخطوط التاريخية التي استمد منها النسيج الأول الذي حيكت بعده بقية خيوط القصة كما تجيء في المصادر العربية. وهكذا تميز معنا الجانب التاريخي من الجانب الأسطوري فيها، واتضحت ناحية خفية من نواحي تاريخ العرب في الجاهلية

ميلاد الرسول

ربط الكثير من مؤرخي العرب ميلاد الرسول (ص) بعام الفيل ليتخذوا من ذلك دليلاً آخر على نبوّة الرسول بأن عناية الله ردَّت كيد الأحباش عن مكة تكريماً له إذ كانت أمه آمنة في ذلك الحين حاملة به. والواقع أن نبوة الرسول تحمل في ذاتها آيات صدقها، فهي لا تحتاج لدليل خارجي يدعمها. وحياة الرسول تثبت إنه كان مخلصاً طيلة حياته، وهذا وحده يردّ كل محاولة يراد بها التشكيك في نبوته

ولما كانت حملة الأحباش التي عرفت بسفر الفيل جرت سنة ٥٤٠ ميلادية كما ثبت من التحقيقات التي كشفنا لك عنها من قبل، فإن الصلة تبدو مفصومة بين عام الفيل وهي السنة التي كان فيها سفر الفيل وبين ميلاد الرسول (ص)، فنحن نعرف أن محمداً عليه الصلاة والسلام ولد في حدود سنة ٥٧٠ ميلادية كما حقق ذلك الباحثون. فإذن هنالك نحو ثلاثين سنة تفصل بين عام الفيل وميلاد الرسول. وبعض المؤرخين العرب يثبت هذا، فمثلاً يقول البغوي: إن سفر الفيل حدث قبل ميلاد الرسول بنحو أربعين سنة ومحمد بن السائب الكلبي

<<  <  ج:
ص:  >  >>