للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مقطعات ليست من وحي الملاح التائه! وليست أخوات تلك الرعشات التي تأتي متآخية مع رعشات الأمواج! وأولى بمثل هذا الشاعر الصافي أن يتجرد كثيراً من شعر المناسبات. ومن أولى من الملاح التائه بالتجرد من هذا؟ وهو الذي وقف حياته على الشعر الصافي. . .؟

أول الحان (الملاح التائه) أغنية سامية أعدها فتحاً جديداً في عالم الشعر والغناء، هي (أغنية الجندول) التي نظمها خير شاعر ولحنها خير فنان، قد امتزجت فيها عبقرية الشعر وعبقرية الفن، حتى لتحار في هذا الامتزاج الغريب الذي ترك للقطعة قيمة خاصة تذكرنا بالشعر العربي الوجداني، ولعلها تمت بصلة أو صلات إلى الموشحات؛ ولكن تلك الأغنية أصدق عاطفة، وأبعد تأثيراً في النفس، لأن العاطفة المجردة بعثت بها دون أن تترك مجالاً لتغلب الصبغة الكلامية. . . ولعل هذه الأغنية هي أروع أغاني (الملاح التائه) لأنها تصور حياة هذا البوهيمي الذي يعالجه حنينان: حنين إلى مجالي الهوى، وأين تلك المجالي! وحنين إلى أرضه المتواضعة التي يصارعه الشوق إليها. حنينه الأول إلى كأس يتشهى الكرم خمره، وحبيب يتمنى الكأس ثغره. . . هذا الحنين عاوده وأنساه كل شيء. . . وبات من أجله يضيَّع في الأوهام عمره! ولكن الذكرى تناديه، والشوق إلى وطنه يهتف به. . . فيشعر بغربته شعوراً كاملاً، ولا يزيد على شعوره هذا شيئاً

قال من أين وأصغى ورنا ... قلت من مصر غريب ههنا!

هذا البوهيمي نفسه يمر على الخيام فيقف عنده، وهو الذي لا يقف في مكان، وهنالك يرسل لحناً يعد أعمق ما أرسله من ألحانه في لياليه؟ وأنى لنا أن نتمثل هذا البوهيمي الذي أضناه جوب البحار وشق القفار، حتى وقف عند باب هذا الخمار!

كلما لألأ في الشرق السنا ... دقت الباب الأكف الناحلة

أيها الخمار! قم وافتح لنا ... واسقنا قبل رحيل القافلة

وما عسى يسقيه هذا الخمار الذي جمع خمره من كرم غريب عن الكروم وعصرها من عناقيد ترى فيها:

كل عنقود دموع جمدت ... وقلوب فنيت فيها شعاعاً

ما احتواها الفجر إلا اتقدت ... جمرة تذكو حنيناً والتياعاً

<<  <  ج:
ص:  >  >>