للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

وهكذا نجد أثر التباين في السن والثقافة واضحاً في هذه المدارس، ولا سيما في القسم الداخلي. ومن الغريب أن النظام الداخلي يوشك أن يعم التعليم الزراعي المتوسط، في حين أنه قد ثبت فساده في التعليم العام.

لهذا جاء ناظر المدرسة وإن أوصاله لترعد من شدة الخوف والفَرَق. . . جاء ليحول بين الطالب والمدرس، وبين المدرس وولي أمر الطالب، يبذل في ذلك جهد الطاقة، ثم هو يرمي أشرف مبادئ التربية الحديثة بأقذع الهجاء وأقسى الألفاظ.

هذا الداء. . . داء اختلاط الشر بالخير، حري به أن يدفع أولي الأمر إلى أن يجتثوا أصول الشر ليذروا الخير وحده ينمو ويسمو في هذا الوسط. غير أن شيئاً في المدارس المتوسطة يقوي الشر وحده فيضوي له الخير، هذا هو داء (إعادة القيد) وهو أيضاً أثر من آثار (فوضى النظام).

وداء (إعادة القيد) هذا هو نظام احتال به الرئيس مرة ليعيد طالباً إلى مكانه في مدرسته بعد أن رسب سنتين في فرقته فرفت؛ فأصبح قانوناً. وهذا الضرب من الطلبة هم الشر المحض الذي يتخلل أثناء المدرسة، وهم الفئة الباغية التي يجب أن تستأصل من هذه المدارس ليجد الخير سبيله فيها.

وانسربت (فوضى النظام) إلى (بيت المدرسين)، وهو بيت خلقته يد الإصلاح ليسكنه جماعة من المدرسين ليكونوا إلى جانب تلاميذهم، يراقبونهم ويهيئون لهم وسطاً علمياً أدبياً يستروحون من خلاله نسمات الهداية والرشاد؛ غير أن الانكماش الذي أرادهم عليه الرئيس نفث في هذا البيت معنى آخر، فأصبح خلوة للمدرس، وحاجزاً بينه وبين تلامذته؛ أو هو كبعض (تكايا) العهد البائد يسكن فيه المدرس ويأكل ويستمتع بالراحة والهدوء، لا يشعر بتكاليف الحياة ولا مضض العيش، دون أن يدفع من ثمن ذلك في الشهر إلا دريهمات لا تكفي غيره سوى يوم أو بعض يوم، وهذا البيت نفسه بعث في المدرس روح الكسل والتراخي والتواكل والحرص، فما فيه من نشاط جسمي ولا عقلي، وما فيه من فرحة للنفس ولا لذة للقلب؛ وإذا قدر لإنسان أن يرقى إلى بيت (المدرسين) ألفى هناك شراذم من المدرسين يزجون الوقت بين الهذر والمزاح والنرد والورق و. . . ثم لا يجد سوى بقايا مذكرات قديمة وأوراق متناثرة وجرائد ومجلات هزلية، أشياء مما تنحط بالعقل والتفكير،

<<  <  ج:
ص:  >  >>