للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وإذا كان المؤرخون قد اتفقوا على بناء سيدنا سلميان لها فقد اختلفوا في سبب بنائها، ولكن أغلبيتهم أجمعت على رغبة سيدنا سلميان في أن يجعل منها مربطاً لتجارة رعاياه، أو كما جاء في الكتاب المقدس إحدى (مدن الخزن).

هذه المدينة التي ازدهرت أيامها في عهد سليمان كعادة المدن الجديدة في أول إنشائها لم تلبث أن تدهورت بعد وفاة منشئها وأصبحت خاملة الذكر حق أوائل النصرانية، حتى أن هيرودوت أبا التاريخ القديم لميذكر في تاريخه، مع أنه قد زار معظم البلاد الشرقية الهامة في عصره والمحيط بالبحر الأبيض المتوسط. وكذلك لا نجد لها ذكراً في أخبار فتوح الإسكندرية فضلاً عن أن العالم الجغرافي (استرابون) لم يذكرها مع إلمامه بمعرفة الأنحاء الشرقية. كل هذه الشواهد تؤيد ما آلت إليه حالة تدمر من تدهور وخمول وهي التي كانت عامرة في أول عهدها لما اشتهرت به من غزارة مياهها، إذ كانت تجري فيها عدة أنهار لم يبق منها سوى جدول أو جدولين؛ أما عيونها المعدنية التي اشتهرت بها منذ القدم، فقد نضت.

وقد عثر الأثريون على كتابة نبطية قديمة في شمال جزيرة العرب ترجع إلى القرن السادس ق. م. تصف مدينة تدمر بأنها فندق متسع الأرجاء في بادية الشام، وهذا دليل على مركزها التجاري العظيم في سابق الأزمان وتأييد لما ذهب إليه بعض المؤرخين في تعليل سبب بنائها.

على تلك المدة التي اضمحلت فيها مدينة تدمر ما كانت إلا فترة استجمام سرعان ما عاد إليها نشاطها بعد ذلك، واستردت شهرتها من جديد، واسترجعت سلطانها القديم في التجارة على أثر انهيار الدولة السلوقية وكثرة الولايات المستقلة في شمال بلاد العرب والعراق التي اتخذت التجارة مهنة لها، فكانت القوافل تسير إلى بطرة وغزة وتدمر فأصبحت منذ ذلك العهد مدينة خطيرة وأخذت تتقدم عمرانياً، وأصبحت تجارة أوربا وآسيا في أوائل المسيحية في قبضة يدها. تمر بها تجارة بلاد العرب من ذهب وعطور ولآلئ البحرين وتوابل الهند وهي في طريقها إلى روما، فعرف الرومان قيمة مركزها التجاري فاستمالوها إليهم ثم ما لبثوا أن ضموها إلى أقاليمهم الشرقية وأحاطوها بالحميات العسكرية، كما حصنوا الطريق الذي يصلا بنهر الفرات لحماية تجارتهم وتأمينها من غارات القبائل.

<<  <  ج:
ص:  >  >>