للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قديس!

لقد كان في مكة تقي من أتقياء المسلمين وأشدهم ورعا، وكان يدعى عبد الرحمن بن عمار، وكان يدعوه قومه القس، لصفاء نفسه وانصرافه عن الدنيا وإكبابه على الصلاة، ولزومه المسجد، وزهده في مباهج الحياة، واحترازه من شراك الشيطان. وكان عبد الرحمن يوماً ماراً بقصر ابن سهيل في طريقه إلى المسجد، فما شدهه إلا أن سمع شدواً ينسكب في روحه وينساب في دمه، ثم يستقر في قلبه ليكتب في صفحته مأساة هذا الحب الخالد والهوى الحلال والعشق المكين

أبطأ عبد الرحمن في سيره. . . لكنه عاد فاستعاذ بالله؛ وقبل أن يسرع إلى المسجد سمع منادياً يناديه. . . فإذا هو ابن سهيل يدعوه إلى جلسة في قصره يشرفه بها. . . وكان ابن سهيل قد رأى عبد الرحمن إذ وقف ساهما مسبوهاً منصتاً للغناء، فسره أن يسحر صوت سلامة أتقى أتقياء مكة وأصفى أصفيائها، فأقسم ليأتمرن بهذه النفس التي تجردت من الدنيا، ليرى كيف يكون عبد الرحيم بين تقواها وبين مفاتن سلامة. . . وتأبى عبد الرحمن أول الأمر؛ ثم وعد أن يزور ابن سهيل وأن يستمع إلى سلامة من وراء حجاب. وقد أجابه الرجل إلى هذا الشرط، ثم رآه مرة وقد نفذ سحر الغناء إلى أغوار نفسه وأخذ يعصف بها عصفاً شديداً، فسأله إن كان يسمح بدعوة سلامة لتجلس إليهما وتغنى في حضرتهما من دون ما حجاب. . . وقبل أن يجيب عبد الرحمن دعا ابن سهيل جاريته فأقبلت. . . ولم تقبل لتغنى فحسب بل أقبلت لتغزو من نفس عبد الرحمن ما لم يغزه غناؤها. . . لقد كانت جمالاً منوِّرا وحسناً مزهرا وبهجةً سارية، فما هي إلا نظرة واستقرت من قلبه في قرار مكين!

ومضت الأيام. . . ولم يبال عبد الرحمن بما شرع أهل مكة يلوكونه عنه ويحيكونه عن هيامه بسلامة. . . وخلا بها مرة في قصر مولاها فصرح الحب، وباح الغرام، وقالت له وقال لها، ثم كانت سلامة أجرأ منه فتشهت أن تضع فمها على فمه. . . لكن الله القدير آثر لهما العفة، واختار لغرامهما الطهر، فصرف الشيطان عن نفس عبد الرحمن حفظاً لعرض صديقه، وإبقاء على الخيط الذي يربطه بأسباب السماء، وكان حسبه أن يترفق بصاحبته، وأن يفئ بسورتها إلى الله. . . ساقيا هذا الهوى الملح، والغرام المسرف بعض ما أسعدت

<<  <  ج:
ص:  >  >>