للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

ساربة أبداً بين الصخور والعقبات، جاهدة باحثة عن الضروريات. فهي تقوم بأعظم العمليات وأدومها وأشقها وأنفعها لحياة الشجرة. ومع ذلك لا تخطى من تقدير السطحيين من الناس بما تخطى به زهرة خادعة فانية محدودة النفع والعمر من الزهرات التي هي من فن تلك الشجرة والتي هي في الواقع خدعة من خدع تلك الشجرة لجلب اللقاح وتكثير النوع وحفظه

ولا جدال في أنه خير للشجرة ولصاحب الشجرة أن يحافظ على جذرها الأعوج القبيح ساكن الظلام ليحفظ أوليات حياتها ويرفدها بعوامل النماء، من أن يعني بكثرة زهرها الجميل في فترة من فترات حياتها ويهمل جذرها حتى يمرض ويصيبه العجز والكلال عن السعي لغذائها. فإن بقاء الجذر صحيحاً عاملاً كفيل ببقاء الأمل في حياتها واستمرار وجودها وإنتاج ثمارها وأزهارها. وإن في الأشجار منافع كثيرة قد يكون جمال الأزهار أقلها عند من يقدرون العناصر الأساسية للحياة. واسألوا جانيات الشوك وجامعي الأحطاب من البراري والقفار والوديان: أليسوا يمرون على الأزهار البرية الجميلة الفواحة العطر لا يعبئون بها كما يعبئون بالأشواك والأحطاب يجمعونها ليوقدوا النيران ويقيموا الجدران، طلباً للدفء والمأوى بين الأهوال القاسية التي تهدد حياتهم الضرورية؟

كذلك البؤساء مادياً ومعنوياً، المجهودون المنهوكون من السعي في سبيل القوت والحق والعدالة يمرون بالتحف الفنية والآثار الأدبية التي أنتجت للترف العقلي وألاعيب الذكاء وإزجاء حياة الفارغين الهانئين كما تمر جانيات الشوك وجامعو الأحطاب بالأزهار البرية التي لا توقد ناراً ولا تقيم مأوى!

وينبغي ألا تجعل هوايات المترفين مادياً أو عقلياً مقياساً للأحكام حين نتحدث عن المسائل الكبرى التي تمس إصلاح مجتمع لا تزال أكثر آلامه ناشئة من التفاوت الفاحش مادياً وعقلياً بين طبقتيه العالية والسافلة، المترفة وهي قلة، والمجهودة المنهوكة وهي الكثيرة؛ فإن الإنصاف يقضي أن تكون المقاييس منتزعة من حياة الكثرة التي هي أشد التصاقاً بضروريات العيش، وأرهف إحساساً بمشكلاته، وأعظم تعرضاً لآلامه ونكباته، وأقوى اضطلاعاً بخدماته

ومن هنا أخطأ الأستاذ توفيق الحكيم حين هون من شأن الجهود الأدبية الإصلاحية لما

<<  <  ج:
ص:  >  >>