للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

قصصهم هذه الأسرار وحملوهم هذه الطبائع فجاءت (نماذج بشرية) بحق كما سماها المؤلف لأنها تمثل آلافاً من البشر الذين يعيشون بيننا ويضطربون في مناكب الحياة؛ ولأنها تساهم في تجسيم المشاكل الإنسانية، تلك التي نشترك فيها جميعاً أياً كان زماننا وأياً كان مكاننا، كمشكلة السعي الأبدي لبلوغ الحق والخير والجمال، كما تصورها مأساة (فوست)، وكالصراع الدائم بين قوى الفرد وصخرة المجتمع العاتية التي لا ترحم، كما تبرزها قصة (جوليان سوريل) أو قصة الحلاق الفيلسوف (فيجارو)، وكالحب ذلك القبس القدسي الذي أودعه الله قلوب البشر والذي لم تخمد جذوته ما بقي قلب ينبض في هذه الحياة، ذلك الحب الأبدي الذي خلد حياة (دانتي) الشاعر الإيطالي بقصته مع (بيتريس) في (العهد الجديد)

فكتاب النماذج إذن وحدة متسقة لأن كل نموذج إنما هو محاولة لبلوغ العناصر الخفية في نفوسنا الإنسانية. ولهذا كانت حياة النماذج حياتنا لأنها تجاوب ما فينا من عنصر إنساني، وتعبر عما يكتنف نفوسنا من مشاعر وأهواء

وقد أدرك الدكتور مندور هذه الحقيقة الواضحة التي يرجع إليها الفضل في خلود نماذجنا على صفحات الزمن، فبعث هذه الشخصيات الروائية خلقاً جديداً مليئاً بالحياة، زاخراً بمائها. وكأن المؤلف إذ يحدثك عن نماذجه ويورد أخبارها إنما يحدثك عن شخصيات رآها، أو حيوات عاشها؛ وذلك، بما له من قدرة على بعث نماذجه من مرقدها وإكسابها واقعية حية، وتهيئة الأجواء التي عاشت فيها، واستحضار الملابسات التي اكتنفت حياتها

وقد ساعده على هذا دراسة طويلة للأدب الغربية، دراسة تستطيع أن تقف على مدى عمقها أن أنت قرأت ما كتبه عن (أوليس)، تلك الشخصية التي خلدت في الأدب اليوناني، وذلك البطل الذي تردد ذكره في الأوديسا والإلياذة، ملحمتي (هوميروس) ثم بعد ذلك بقرون في (فيلوكتيت) مسرحية (سوفوكليس) الشاعر اليوناني العظيم الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد. وهل كان الكاتب يستطيع أن يلم بمعالم هذه الشخصية وتطورها إلا خلال دراسة ممحصة لهذه المسرحيات الثلاث؟ بل ولحياة اليونان بأسرها: تاريخها وفلسفتها، وفنها وأخلاقها؟ وإن القارئ ليلمس آثار هذا الجهد حين يقرأ المؤلف عن (أوليس) وكيف أودع هذا النموذج تطور اليونان الروحي من خشونة البداوة الأولى بما فيها من مظاهر

<<  <  ج:
ص:  >  >>