للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

والجحود. وإنها لثارات وذحول تأبى على أصحابها إلا ترقب العودة إلى هذه الأوطان في مواكب النصر بعد أن فصلوا عنها في ركاب الذل والصغار. . .

وليس من محض المصادفة أن نرى شكسبير يأوي في أخريات أيامه إلى قريته ستافورد أون آفون، مخلفاً وراءه لندن مبسوطة اليدين نحوه بمزيد من ثروتها وجاهها. ولا مراء في أن صورة عجيبة المنظر كان يلتمع مرآها في ذهن الشاعر الكبير وهو يقف على باب قريته كهلا في سن الخمسين. . صورة لشباب فويق العشرين يتسلل لواذاً من أبواب هذه القرية قبل ثلاثين عاماً، وقد جلله عار السرق وحز في بدنه وثاق السجن؛ هو وليم شكسبير نفسه الذي أبى أن يمحو عار ذلك الهرب في سواد الليل البهيم بغير هذا العود المظفر الكريم في وضح نهار مشرق سني. .

وكذلك كان شأن تشارلز دكنز الكاتب الروائي الخالد. فقد أنفذ في قرية شاتهام ستة أعوام من طفولته البائسة جابه خلالها الفقر في أقبح صوره، وتجرعه في أمر طعومه، وكان أعظم ما يبهره يوم ذاك قصر (جادز هِل) القائم على ربوة في الطريق بين شاتهام وجرافسند؛ ولقد طالما داعب أبوه مشاعره بإمكان استحواذه على هذا القصر إذا هو جد واجتهد، وأصبح رجلا ذا شهرة ومجد. ولسنا نعجب لهذه الأمنية وايغالها في الطموح قدر ما نعجب لتشارلز دكنز وهو يعود بعد أربعين حولا فيحققها في جملتها وفي تفصيلها؛ بأن يمتلك القصر الجميل بما فيه، ويقضي في رحابه ختام أيام حياته وأطيبها. ولقد طوف دكنز في مدائن إنجلترا وقراها ماطوف، وحظى بطيب المقام ولذاذة التكريم في سويسرا وأمريكا وسواهما من البلدان. . فلم تكن بقعة واحدة في جنبات هذا العالم الفسيح لتستهوي نفسه بمثل ما استهواها ذلك المكان الذي شهد مذلته وضيمه، فأبت عليه نفسه إلا أن يشهده - بعد حين - مجده وعزته ونعماءه.

على أن لورد بيرون لم يحظ بما حظي به صاحباه من هذا الشعور الجميل. . شعور التغلب على مصاعب الحياة، والانتصار على الزمن وأهله في نفس المكان الذي تسجلت به الهزيمة السابقة، فقد غلب الموت هذا الشاعر على أعز أمانيه، وراح يجود بآخر أنفاسه في ميسولونجى من أرض يونان وهو يتمتم في مرارة بكلمته الباقية: لست أخاف الموت. . . ولكني أتساءل لماذا لم أذهب إلى إنجلترا قبل مقدمي إلى هذا البلد!!

<<  <  ج:
ص:  >  >>