للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

تحرك باب النافذة فيكون منه هذا الصوت، فأغلقته، ولكن الصوت لم يبرح يطنُّ في أذني ينادي: هاني. هاني. فذهبت إلى آخر البهو، وهو يلاحقني، فعاودني الفزع فصرخت، حتى سمعني أهل الدار كلهم، وأقبلالكهل مغضباً يقول: ما هذا؟ قلت: هل في هذه الدار من اسمه هاني؟ ففتح عينه وقال: ولمه؟

- قلت: صوت لا يفتأ ينادي: هاني. هاني.

- قال: سمعته؟ أنت سمعته؟ أهو صوت امرأة؟

وجعل يهزني كالمجنون.

- قلت: نعم.

فأرسلني وفتح الباب، وعدا يخب في الثلج. . .

ولحقته المرأة كأنها تحاول ردَّه، ولكنها وقفت في الباب، وألجم الخوف لسانها فلم تنطق ولكن نطقت عيناها، فأبانتا، وأطل منهما الحب لحظة ثم ارتد، كما يرتد عن النور سجين طال عهدهبالظلام. . . وقرأت في وجهها صحائف تاريخ لم أفهم منها شيئاً، فتركتها وأقبلت على العجوز، وقد انتحت ناحية تبتسم ابتسامة غريبة، كأنها تقول: أنا أفهم ما لا تفهمون، وأنتظر من زمان هذا الذي ترونه الآن وتعجبون منه!

فأشرت إليها أسألها.

قالت: سأحدثك. سأشرح لك. إنه تاريخ طويل ختم في هذه اللحظة. إنها قصة هائلة مشت بأحاديثها الركبان، وكتبتها الأقلام، وصورتها (الأفلام) وصارت من روائع الأدب، لقد مثلت على هذا المسرح قبل أن تمثل في (السينما) ولكن انتهت الرواية ولم يزح الستار، فلبث الممثلون حائرين لا يدرون ماذا يصنعون؟ وعيون النظار تكاد تأكلهم. تصور ثقل هذه اللحظات وشدتها، إنها لا تحتمل وإن كانت لحظات قصاراً، فكيف إن دامت عشرين سنة. . .

عشرين سنة ونحن نعيش بلا عمل، ننتظر أن يرخى الستار على هذه المسألة التي مثلناها، فلم يزح إلا الآن. . .

- قلت: وأين ذهب الرجل؟

- قالت: ذهب يلبي نداءها.

<<  <  ج:
ص:  >  >>