للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والدته تنظر إليه وقد أشرقت على شفتيها ابتسامة فياضة، فصاح قائلا (أماه، أماه، ما أجمل أن يعيش المرء هنا!) وجعل يقبل الأولاد، وود أن يخبرهم عن الدمى التي شاهدها. وجعل يسألهم (من أنتم؟ من أنتم؟) وهو يشاركهم الضحك معجباً بهم. فأجابوه (هذه شجرة عيد ميلاد المسيح، شجرته الخاصة، وهبها للأطفال الذين لا يملكون مثلها).

كانوا أطفالا حالهم مثل حاله. فمنهم من تجمد برداً في السلال التي تركهم ذووهم فيها على عتبات الديار. ومنهم من لقي حتفه خنقاً خشية العار. ومنهم من مات على ثدي والدته الجائعة والآخرون دهمهم الموت من فساد هواء المكان الذي كانوا يعيشون فيه. ومع ذلك. . كانوا كلهم مجتمعين هنا كالملائكة حول المسيح. وكان المسيح يتوسطهم ويمد يده إليهم يباركهم وأمهاتهم قد فاضت دموعهن. وكانت كل من تعرفت بولدها تندفع إليه في شوق تقبله فيمسح عبراتها بيديه الصغيرتين، متوسلا إليها ألا تبكي. كانت تغمرهم السعادة. . السعادة الحقة.

وانبثق نور الفجر، عندما وجد حمال جثة الصبي متجمدة الأطراف من شدة القر، راقدة على كومة الأخشاب.

وبحثو عن والدته. كانت قد سبقته إلى العالم الآخر. لقد تقابلا أمام الله في السماء.

لست أدري لماذا كتبت هذه القصة التي لا تجري في أسلوبها مع مذكرات عادية أو مؤلفات كاتب. ولكن كل ما أدريه أني ما زلت على يقين بأنها ليست وليدة الخيال، وإنما وقعت فعلا، وإنه قد حدث ما حدث في ذلك القبر وكومة الأخشاب هناك.

أما عن شجرة المسيح، فلا أستطيع أن أجزم هل هي حقاً في علم الوجود أم أنها من نسيج خيالي.

(الإسكندرية)

محمد فتحي عبد الوهاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>