للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ثم انطلقنا نجوس خلال الغابة باحثين مستطلعين. فهذا جذع شجرة ملقى على الأرض تخاله من بعد أنه جذع شجرة حقيقي. فإذا تبينته عن قرب وجدته قطعة من الصخر الرملي. فالرمل قد حل مكان الخلايا النباتية بألوانها وأشكالها وتعرجاتها، وإذا طرقته بقطعة من الصخر أعطى صوتاً له رنين المعدن (وهذا فرع شجرة حل به ما حل بالجذع) وقد قضينا في الفرجة نحو الساعتين، وكان كل شيء حتى الآن على ما يرام، ولكن لم نكد نتهيأ للرجوع حوالي منتصف الساعة الواحدة. حتى شعرنا بأن ريحاً شمالية غربية باردة بدأت تهب في وجوهنا، ثم تلبد الأفق من جهة الغرب بسحب كثيفة، وزادت سرعة الريح. وبعد قليل انتشر في الجو ضباب كثيف وحوالي الساعة الواحدة سقط رذاذ خفيف وبدأت الشمس تحتجب وراء السحب.

فلما تغير الحال كما رأيت عولنا على العودة مسرعين، فاتجهنا نحو الشمال الغربي قاصدين السير في نفس الطريق الذي سلكناه في الصباح ونظراً لتلبد الجو بالضباب واختفاء الشمس. اعتمدنا في تعرف الجهات على هبوب الريح، فجعلنا نسير في الاتجاه المضاد لهبوبه. وبعد أن سرنا نحو ساعة بالسير الحثيث لحظت أن معالم الطريق بدأت تتغير. فلم أهتم لذلك ظناً مني أنه ربما انحرفنا قليلا جهة الشرق أو الغرب، ولكن بعد ساعة أخرى أدركت أني أسيره في طريق لم آلفه من قبل فساورني بعض القلق وأخذ صاحبي يسألني عن موضعنا بالنسبة للقلعة ومتى نصل وهكذا من الأسئلة المتنوعة، كنا قد وصلنا في هذا الوقت إلى واد صخري عميق ظننته لأول وهلة وادي عيون موسى. ولكن بعد أن نزلناه وسرنا فيه قليلا تأكدت انه غيره، وهنا أمطرتنا السماء مدراراً فتبللت ملابسنا وتوحل الطريق فأعاقنا عن السير، ثم برد الجو، فلم نر بداً من الالتجاء إلى مغارة قريبة لنستريح فيها قليلا، فلما خف المطر استأنفنا السير في نفس الاتجاه، وبعد ساعة أخرى أدركت تماماً أني أسير على غير هدى وأيقنت بعد أن تنكر الطريق أني قد ظللت، فتملكني ضيق شديد وساورتني المخاوف وأخذت أندب سوء المصير في هذه المفاوز حيث لا ماء ولا طعام ولا غطاء، ولكني وجدت من الحكمة ان أخفي حالي عن صاحبي، فكتمت كربي وتكلفت الاطمئنان تكلفا وكنت كلما سألني عن القلعة وعن سبب تأخرنا أجبته أنا لابد واصلان إن شاء الله، ولكن بالرغم من محاولتي إخفاء اضطرابي وتصنعي الهدوء لحظ

<<  <  ج:
ص:  >  >>