للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فتكلف الابتسام - اعني انه ابتسم بشفتيه دون عينيه - وراح يجمع أدوات الحلاقة ويعدها ويرصها، وكان في أثناء ذلك يخالسني النظر، فلم يبقى عندي ريب في أن الشك خالجه في صحة عقلي، وما احسبه رأى قبلي رجلاً يدخل عليه ونصف وجهه محلوق والنصف الآخر يطلب الموسى وكأنما حار، ماذا يضع بالنصف الحليق؟ أيجري عليه الموسى؟ أم يدعه ويعني بالنصف الثاني؟ فقد وضع عليه حد الموسى ثم رفعه ووقف متردداً فقلت لأستحثه:

(تفضل. تفضل. . أن هذاأيضاًيحتاج إلى الموسى) فألقى إلي نظرة سريعة واكب على العمل بلا كلام والحلاقون كما يعرف القراء ثرثارون ولكن منظر وجهي كان له وقع عميق في نفس هذا الرجل، فنشف ريقه وعصب لسانه وانقطع أيضا ولم يسؤني هذا ولكني فزعت إذ رأيت يده ترعش فجعلت. أدعو الله في سري أن يلطف بي ويرأف بعيالي ويرحم شبابي

واستجاب الله دعائي لأول مرة. . ولآخر مرة فيما اذكر. . وعلى انه من يدري؟ لعل الرحمة كانت أن يذبحني الحلاق - عفواً أو عمداً - فما تكون للمذبوح عناية بهذه الفروق

واتفق يوماً أني نزلت فندقاً وكان فيه غيري كثيرون كما لا حاجة بي أن أقول وبينهم أجنبي هرم له بنت جميلة وكان هذا الشيخ أحمق حاد الطبع، وبنته على خلافه لينة العريكة سلسة الطباع، ولو إنها كانت حمقاء مثله لشفع لها جمالها فكيف وهي تجمع إلى حسن الوجه دماثة الخلق ورقة الحاشية؟ وعرفتها لأني اصطدمت بها فأوسعتها اعتذاراً فلم يضق بي عفوها، وصرنا بعد ذلك كلما التقينا نتبادل التحية - بالرأس - وكنت ألقاها في اليوم الواحد خمسين مرة فلا ادري أيّنا الذي كان يتعقب صاحبه؟ وفي المرة التاسعة والأربعين من اليوم الأول استطعت أن افتح فمي وأحرك شفتي فقالت مستفسرة:

(نعم؟)

قلت: (لاشيء. اعني أني أردت أن أقول نهارك سعيد)

قالت: (آه! صحيح! نهارك سعيد!)

قلت: (أ. . أ. . الجو اليوم جميل. .)

قالت وهي تضحك بلا داع: (أ. . . نعم. . . جـ. . . جميل. . .)

قلت: (لا خوف من المطر) وعضضت لساني

<<  <  ج:
ص:  >  >>