للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

تنقصه ملكة (المزاج الفني)، ملكة تفصيل (الأثواب الكاشفة) عن مفاتن الأجساد!

المزاج الفني إذن هو المسئول، بل هو واضع الحدود والفروق بين طابع كاتب وكاتب وبين طابع شاعر وشاعر. . خذ مثلا طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم - ككتاب في مجال القصة وحدها لا في مجال آخر - فستجد أن طه في (شجرة البؤس) و (دعاء الكروان) يمثل الطابع الأدبي فهو قصاص أديب، وستجد أن العقاد في (سارة) يمثل الطابع الفكري فهو قصاصا مفكر. وستجد أن توفيق في عدد من قصصه يمثل الطابع الفني فهو قصاص فنان. . . وخذ العقاد مرة أخرى وعزيز أباظة وعلي طه - كشعراء - فستجد أن الأول يمثل المزاج الفكري فهو شاعر مفكر، وأن الثاني يمثل المزاج الأدبي فهو شاعر أديب، وأن الثالث يمثل المزاج الفني فهو شاعر فنان. . . هذا التقسيم واضح كل الوضوح في الأدب المصري الحديث كما هو واضح كل الوضوح في الأدب الفرنسي الحديث: أندريه جيد وفرانسوا مورياك كلاهما نموذج لهذا القصاص الأديب، وجان بول سارتر وبول كلودل كلاهما نموذج لهذا القصاص المفكر، وجان كوكتو وجان إنوي كلاهما نموذج أهذا القصاص الفنان!

إن الشعر دفقه وانتفاضة. . دفقه يتلقاها الشعراء جميعا، ولكن فيهم من يتلقاها بانتفاضة الذهن وحده، وفيهم من يتلقاها بانتفاضة الحس وحده، وفيهم من يتلقاها بانتفاضة الذهن والحس والشعور في وقت واحد. ونفرق نحن بين هذه الألوان من الانتفاضات في محاولة فنية تهدف من ورائها إلى استشفاف (الحقيقة الشعرية) من خلال أثوابها الكاشفة، وننتهي إلى أن حقيقة الشاعر الأول صاحب الانتفاضة الأولى هي (وجهة نظر) فكرية، وهذا هو العقاد. وإلى أن حقيقة الشاعر الثاني صاحب الانتفاضة الثانية هي (وجهة نظر) أدبية، وهذا هو عزيز أباظة. وإلى أن حقيقية الشاعر الثالث صاحب الانتفاضة الثالثة هي (وجهة نظر) فنية، وهذا هو علي طه. . . وهكذا تجد مزاج الشاعر المفكر، ومزاج الشاعر الأديب، ومزاج الشاعر الفنان!!

هذا هو رأي الأخير الذي أقدمه للأديب السوري الفاضل تعقيبا على كلمته عن الشاعر عزيز أباظة، ولا أريد أن أفرض هذا الرأي عليه ولا على غيره من الأدباء. . إن للأستاذ الأرناؤوط مطلق الحرية في أن يحتفظ بآرائه الخاصة حول قيم الشعر، كما يهديه إليها

<<  <  ج:
ص:  >  >>