للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بالهدى والرحمة، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور

فمن أجل هذه الرسالة الخالدة فارق محمد بلده مضطراً مقهوراً، حتى عاد إليه مؤيدا منصورا، وفيه أعد المشعل الكبير الذي أمسك به أبو بكر ثم سلمه من بهد إلى عمر

لقد أقبل محمد بصاحبه الصديق على يثرب في لهفة وحسبان وإشفاق على من تركهم ف مكة حيارى يحذرون كيد المتربصين وعنت الأعداء، فتلقاه غطاريف الأوس والخزرج بالنصر والإيمان وراحوا يفدونه بالأرواح مخلصين، ويستجيبون لدعوته مؤيدين

وكان من شأن أكثر الفاتحين أن يدمروا البلاد التي يأخذونها، ولكن محمداً لم يهدم إلا الأصنام التي لكزها فانحدرت منكسة محطمة من أعلى الكعبة، ولم يكن عجباً في الدهر أن تحارب المدنية مكة، فقد حاربت إسبارطة أثينا، وكلتاهما من موطن واحد، وأشهدتنا الأيام القريبة حرب الجنوبيين في أمريكا للشماليين، على أن حرب الرسول عليه السلام ما كانت إلا لتحقيق الرسالة الإلهية التي أداها إنقاذاً للإنسانية التي ضلت سبيلها، وتاهت في جاهليتها متنكبة عن الخير والهدى، ولم يكن جهاده طمعاً في مآرب الدنيا والسيطرة على أهلها، بل في سبيل كلمة أراد أن تحق في الدنيا وأن تكون هي العليا، فإذا مرت هذه الذكرى بعد ترادف العصور بقيت خافقة بالحياة كأنها قد جرت البارحة، وإلا فما قيمة التاريخ، وما تعب الزمان في حفظ الأحداث ورواية الخطوب

إن كل تاريخ لا يروي لنا الذكرى ويبعثها حية خافقة في النفوس لهو في نظري تابوت ترقد فيه مومياء، ولهذا لا ينبغي أن نمر بذكره الهجرة مرور الحفاوة والتكريم كمن يفرح بعيد جميل قد مر بحياته أو بفرد من أفراد أهله، وإنما ينبغي أن نحس في ذكرى الهجرة بمثل ما أحس المؤمنون والأنصار حين أقبل عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعه صاحبه يتخففان من كيد المتمردين والحادقين، ويستأنسان بمن شد الأزر وفتح الصدر للرسالة التي جمعتهم على محبة وإيمان وعزم لم تزعزعه المحن والفتن، ولا هدته الصدمات والملمات

فما أروع المعاني التي احتوتها هجرة الرسول؛ وما أحرانا بأن نبعثها في حياتنا الراهنة فتحققها ونستلم منها القوة والاعتبار. بل ما أجدرنا بالتعاون على قهر العدو الذي يكيد لنا، وأي كيد أدهى وأمر من متشردين أهل فلسطين الذين أخرجوا من ديارهم ظلما وضيما،

<<  <  ج:
ص:  >  >>