للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

حين يتجوزون أو حين لا يحرصون على التحقيق. فأما إذا أرادوا الإصابة والدقة فلا بد لهم من أن يلاحظوا فيه الوزن والقافية أو الوزن دون القافية أو الانسجام الموسيقي على كل حال. وهذا الشعور الصادق ما هو وما عسى أن يكون وهليطمئن العقاد حقا إلى أن كل ما يصفه الشعراء فيجيدون وصفه إنما هو نتيجة لشعور صادق حقا، أليس من الشعراء من يجيد الوصف لطائفة من العواطف، لا يجدها ولا يشعر بها شعورا صادقا وإنما هو يعرفها ويحسن معرفتها ويواتيه الفن فيجيد وصفها ويعبر عنها تعبيراً جميلا. وأظن العقاد يوافقني على إن المعرفة الجيدة شئ والشعور الصادق شئ آخر. والعقاد يعرف من غير شك هذا المثل الذي ضربه ارسطاطليس لبراعة الشعراء في التناقض وهو مثل بندار حين طلب إليه أن يمدح بغلا ولميعجبه الأجر، فاستكبر وذم البغل. فلما ضوعف له الأجر، جعل هذا البغل فرساً ذات جناحين. ومن المؤكد أن بندار لم يكن يشعرشعورا صادقا لا بمحاسن هذا البغل ولا بعيوبه وإنما كان يعرف هذه المحاسن والعيوب، وأعانه فنه فصورها تصويرا بديعا.

وكلنا يعلم إن الشعراء والخطباء يروضون أنفسهم على مدح الشيء وذمه، فيجيدون في المدح والذم جميعا ويعبرون عنهما تعبير جميلا دون أن يكون شعورهم بها صادق من غير شك، أو كاذبا من غير شك، وإنما هي البراعة الفنية الخالصة. وإذا فصدق الشعور قد يكون مزايا الشعر ومحاسنه، ولكنه لن يكون ركنا من أركان الشعر ولو قد جعلنا صدق الشعور ركناً من أركان الشعر لأسقطنا أكثر الشعراء من تاريخ الأدب في جميع اللغات. ولم يخطئ القدماء حين قالوا أن أعذب الشعر أكذبه. ولم يخطئ ارسطاطليس حين أباح للشعراء ما لم يبح للخطباء من الإسراف والإغراق. فلا بد إذا من ان يحقق العقاد تعريفه هذا للشعر ومن أن يحقق جزأيه جميعاً. ومع ذلك فهلل يصدق هذا التعريف على وحي الأربعين بحيث نستطيع أن نقول إن هذا الديوان كله تعبير جميل عن شعور صادق.

أما إن شعور العقاد بكل ما وصفه في ديوانه صادق فشيء أحسه في قوة لا تقبل الشك ولا الريب، ولكن بالقياس إلى بعض الأبواب. بالقياس إلى هذه الأبواب التي تظهر فيها شخصية العقاد ظهورا واضحا كل الوضوح. بالقياس إلى باب الغزل، مثلا هذا الذي تظهر فيه للعقاد شخصية خفية الظل جداً، حلوة الروح جداً، محبة للحياة جداً، مقبلة على اللذة

<<  <  ج:
ص:  >  >>