للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وتصوراتنا وأخيلتنا، وما مات في ذلك المزدرع من الآداب الحديثة فذلك ما يبعد عن طبعنا ولا حاجة لنا به. وعلى الجملة نقول إن ثقافتنا التقليدية هي بمثابة حقل التجارب الذي يمتحن فيه المجربون قوة البذور الدخيلة على الإنبات والحياة. وما السبب الصحيح في كثرة ما نقع عليه في أدبنا المنقول من الآثار الميتة إلاّ أننا لم نمتحن فيما نقلنا قوة الاستمرار والبقاء في بيئة جديدة. تلك البيئة التي يجب أن تكون من عناصر تستمد من ثقافتنا التقليدية أول شيء

قد ينكر علينا بعض الذين يودون إرضاء ناحية العزة في أنفسهم شيئاً مما نقرر في هذا البحث؛ غير أني أريد لهؤلاء أن يكونوا أكثر تشاؤماً مما هم، ذلك بأن بيئاتنا الأدبية قد تولاها منذ أول نشأتها روح رمت بها في أحضان التشاؤم المرير، ولم يسعدها الزمن بيوم واحد تفاءلت فيه بحسن المستقبل. ذلك بأن معسكري الأدب والتفكير لم يتصل أحدهما بالآخر مطلق اتصال خلال كل ذلك الزمن الذي نفخر فيه بأننا كونّا نهضة جديدة. فالناحية التي اتصلت بالثقافة القديمة متهمة في عين الناحية الأخرى بالجمود عن إدراك ما في الآداب الحديثة من تصورات، والناحية التي لم تتصل بالثقافة التقليدية متهمة في عين الناحية الأخرى بالزيغ عن التراث القديم. ومن ثَمَّ كان التشاؤم. وما لهذا التشاؤم من سبب إلاّ أننا لم ندرك السر عدم اتصال الناحيتين

وإنما ندعو هؤلاء لأن يكونوا أكثر تشاؤماً لأنهم بذلك يكونون أدنى إلى تفهم الحقيقة كما هي واقعة. ولأضرب لهم مثلا بشرقيين اتصلا بالثقافة الأوربية، وأوربيين اتصلوا بالثقافة الشرقية. وبالأحرى بالمستأربين منا، والمستشرقين منهم. لنسأل أي الفريقين استطاع أن يهضم من آداب الآخر أكبر قسط يمكن هضمه

ولنبدأ أولاً بالمستأربين منا ولنتخذ ناحية معينة من نواحي الأدب موضوعاً لبحثنا، كالقصة أو التاريخ مثلاً. أما القصة فقد يقال بأن آدابنا القديمة لم تعن بها العناية الكافية، وأننا لذلك إنما ننقل عن أوربا أدباً جديداً لا أصل له في ثقافتنا؛ وإذن ينبغي لنا أن نتخذ التاريخ محكما للحكم، وقد ظهر من أولئك من كتب فيه أمتع المؤلفات، سواء أفي التاريخ العام، أم في تاريخ الأدب. وأنت تعلم فوق ذلك أن فن كتابة التاريخ ونقد الشواهد التاريخية ومقياس الحكم فيها وروح التفقه التاريخي، إنما هي خلق جديد من مخلوقات القرن التاسع عشر في

<<  <  ج:
ص:  >  >>