للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

حتى اضطرمت جوانحه بحبها، وأسرع بالعودة إلى القاهرة وقرر في الحال أن يخطب هذه الفتاة التي تيمته حباً، وأن يتزوج بها؛ وبعث الآمر إلى أهل الفتاة برغبته، فبادروا إلى تحقيقها فرحين مغتبطين، وأرسلوا بالفتاة إلى القاهرة، حيث حملت إلى القصر، وغدت في الحال زوجة للخليفة، وسيدة البلاط الفاطمي

والى هنا ينتهي أول فصل في القصة، وهو تفصل لا تنقصه عناصر الخيال الممتع؛ ثم إن فتاة البادية العالية - وكان هذا اسمها - بعد أن سكنت إلى حياة القصر الباذخة حيناً، وأفاقت من دهشتها الأولى، أخذت تشعر بثقل هذه الحياة الناعمة على ما فيها من متاع ونعماء وترف مستمرة، وتبدو لها جدران القصر العالية، وأبهاؤه الفخمة كأنها ظلام السجن، وأخت تحن إلى فضاء القفر الشاسع وهوائه النقي الساذج كما تحن الطيور في أقفاصها إلى فضاء السماء، أو كما تحن الأسود المعتقلة إلى أحراجها وأدغالها، رغم ما تتمتع به في سجنها من وافر العناية؛ فلما رأى الخليفة الآمر ما أصاب حبيبته من الاكتئاب والوحشة، دفعه الخيال إلى أن يلتمس لها متعة الفضاء التي تنشد على طريقته الملوكية، فأمر أن تقام لها على النيل في جزيرة الفسطاط (الروضة) متنزهاً عظيماً يضم بستاناً ساحراً وأجنحة ملوكية بديعة، وسمي هذا المتنزه الرائع الذي لبث مدى حين من محاسن الدولة الفاطمية (بالهودج) فكان للتسمية مغزاها في التشبيه بالهودج الذي هو خباء السفر في البادية؛ وأنس روح البدوية الهائم مدى حين إلى الرياضة في (الهودج) والتمتع بمناظره الرائعة ونسماته العليلة بيد أنها لم تنس قط وهج القفر وسحر الفلاة

واليك فصلاً ممتعاً آخر من تلك القصة الغرامية الرفيعة. لقد ظفرت (العالية) بغزو قلب صاحب الخلافة والعرش، وغدت سيدة القصر والبلاط، ولكن ذلك لم يكن منتهى آمالها وسعادتها؛ ذلك لأن قلبها البدوي المضطرم كان يخفق منذ أيام البادية بهوى فتى من بني عمومتها يدعى ابن مياح، ربيت معه في الحي منذ الطفولة، وكان فتى رقيق الخلال وافر السحر، فلما حملت إلى قصر الخليفة لم تخمد في قلبها جذوة حبه، ولبثت في قصرها تتجه بخيالها إليه؛ وفي ذات يوم هزها الشوق إليه، فبعثت إليه من قصر الخليفة بهذه الأبيات

يا ابن مياح إليك المشتكى ... مالِكٌ من بعدكم قد مُلكا

كنت في حبي مطاعاً آمرا ... نائلاً ما شئت منكم مدركا

<<  <  ج:
ص:  >  >>