للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الرسالة فقد هداني به إلى نوع من الأدب طالما تمنيت أن يجري على لسان عربي وإلى لون من الجمال والفن كثيراً ما نزعت نفسي إليه، حتى ألقيته اليوم بين دفتي هذا السفر الجليل.

ترى الكتب أنماطا مختلفة، فمنها ما يعتمد على زخرف القول ويستند إلى الدجل والتمويه، فلا تكاد تظهر حتى يذهب الزمان بما حوت من بهرج زائف، فتصبح كأن لم تكن بالأمس، كالفقاقيع لا تكاد تظهر حتى تنطفئ. ومنها ما يصدر عن القلب فيفيض بخلجات النفي، ويجيش بنزعات الوجدان ويزخر بخطرات الضمير: ومصير هذا النوع إلى الخلود، لأنه والحياة شيء واحد فيبقى ما بقيت الحياة.

وكتاب الأستاذ الحوماني من هذا النوع الخالد فهو مرآة صافية رفعها الكاتب الفذ فانعكست فيها الطبيعة، بما حوت من ضروب الفن وضروب المذاهب.

يقع بصرك على الكتاب فتحس أن له شخصية ممتازة، فهو مطبوع طبعا جيداً، وهو كما ترى من عنوانه سلسلة من المآسي، ولقد حليت زوايا غلافه بخطوط عريضة سوداء قوية الإشارة واضحة الدلالة، وتوسطت هذا الغلاف الأنيق صورة نقشتها ريشة ماهرة لفتاة بارعة الجمال تنحدر الدموع من عينيها الواسعتين الضارعتين وقد اشتبكت يداها على صدرها في شكل يحرك القلب ويثير الشجن. أما الوجه فانه مزيج مدهش من الجمال البارع والعفاف الوادع والالم اللاذع، وتحت هذه الصورة نقش اسم (أمل) بطلة القصة ومحور الجمال فيها.

وهي قصة قوية إذا بدأتها فلن يشغلك عنها شاغل ولن تضعها حتى تتمها، وهي إلى جانب ذلك مؤثرة إلى أقصى حدود التأثير، لا يتمالك ذو العاطفة الحساسة دمعة حين قراءتها ومؤداها أن خالدا ذلك البطل العربي، رحل عن بلاده الشام حين عافت نفسه الأبية أن تقيم على الضيم، فهبط الحجاز وأقام هناك زمناً في ضيافة عربي كريم هو الشيخ أبي وسيم، ولقد كان هناك موضع حفاوته وحفاوة ابنه وسيم. وسرعان ما أحب وسيما واحبه وسيم.

ماتت زوجه وهو بعيد عنها وبقيت ابنته أمل تعاني بؤس الحياة، وكانت تحب ابن عمها (ناظما) وكان يحبها، ولكنه كان فتى طائشا يطلق العنان لشهواته ويفهم من الحب غير ما تفهم أمل، فحبب إليها المجون ورغبها في التبرج والخلاعة، ولكنه فشل في إغرائها ورحل

<<  <  ج:
ص:  >  >>