للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فإن الداَء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب

والأبيات التي ذكرت من قبل وأولها: (تخذتكم درعاً وترساً لتدفعوا) وهي من أبدع ما قال في العتاب الوجداني، وكذلك قوله: (أتاني مقال من أخ فاغتفرته). وقوله: (إني لأغضى عن الزلات مجتنباً). وكثرة العتاب في شعره تدل على أنه كان منكوباً في الإخاء والأنصار. وقد أجاد ابن الرومي أيضاً في الرثاء لأنه كان منكوباً في أولاده، وإنما هذه نكبة الرزء والموت لا نكبة الجفاء التي دعت إلى إجادة العتاب، ولا أذكر قصيدة في رثاء الأبناء في اللغة العربية تقارب قصيدة ابن الرومي الدالية في رثاء ابنه الأوسط غير قصيدتي التهامي، ومطلع قصيدة التهامي الأولى:

حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرار

ومطلع الثانية:

أبا الفضل طال الليل أم خانني صبري ... فخيِّلَ لي أن الكواكب لا تسري

وفيهما يرثي ابنه كما رثى ابن الرومي ابنه بقصيدته التي أولها مخاطباً عينيه:

بكاؤكما يشفي وإن كان لا يُجدِي ... فجودا فقد أودى نظيركما عندي

وتغلب نزعة الرسم والتصوير على الشاعر، فيصف ابنه يعالج المرض والموت، ويصف حزنه إذا رأى أخويه يلعبان في ملعب له. وهذه القصيدة من أجلِّ ما قال ابن الرومي من الشعر، بل من أجلِّ ما قال شاعر من الشعر، وهي أكبر دليل على أن الشعر الرفيع المقام لا يكون إلا إذا وجدت العاطفة، وأما الصنعة وحدها فلا تخلق شعراً عالياً. ولابن الرومي قصائد أخرى في الرثاء تستجاد، منها رثاء يحيى بن عمر العلوي التي مطلعها:

أَمامك فانظرْ أي نهْجيك تنهج ... طريقان شتى مستقيمٌ وأعوج

وفيها يقارن بين ترف العباسيين وبين ما كان العلويون فيه من تشريد واضطهاد. ومما يؤسف له أنه شانها بالفحش الشنيع في هجاء العباسيين؛ وهذه القصيدة تذكرني بقصيدة دعبل الخزاعي الرائعة في آل البيت وهي أعمق أثراً ومطلعها:

مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات

والذي يقرأ شعر ابن الرومي يرى أنه أشد ذوي الفنون عجزاً عن حبس بعض ما يجول في خاطره من الخواطر، وهذا العجز يجعل صاحبه كأنه أسوأ خلقاً ونفساً من الناس، وهو

<<  <  ج:
ص:  >  >>