للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

وهذا إلى أن الأمر محمول على المبالغة، والمبالغة ضرب من التجوز

وهذا ليس له محمل عندي إلا أن عمر رضي الله عنه كان لا يرى التساهل في شأن ذلك الحب العذري، وإن كان أخف ضرراً من الحب المستهتر، فهو في ذلك يأخذ جميلاً وكُثيراً بحب واقع قد شغلا به، وأمعنا فيه، وملآ بذكره أشعارهما، وصرحا فيها للناس باسم محبوبتهما، ومثل هذا لا يقبله أدب الإسلام وإن كان يحمد لأصحابه ما يأخذون به أنفسهم من العفاف

أما جرير فكان يتعاطى الغزل في الشعر قضاء لحق الصناعة الشعرية، ولم يكن يشتغل بالحب كما اشتغل به ابن أبي ربيعة وغيره من فساق الشعراء، ولا كما اشتغل به جميل وغيره من العشاق العذريين، ولا شيء أصلاً في تعاطي ذلك الغزل على ذلك النحو الصناعي، كما يفعل الآن في الروايات الغرامية، بشرط ألا يكون في ذلك شيء من الفحش الذي لا يبيحه دين ولا خلق. وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم بالشعر وفيه كثير من ذلك الغزل ومن ذلك غزل كعب بن زهير في قصيدته (بانت سعاد) وقد بلغ من أمره أن يقول فيها:

هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً ... لا يُشْتكى قِصَرٌ منها ولا طولُ

تجلو عَوَارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ ... كأنَّهُ مَنْهَلٌ بالرَّاحِ معلول

وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم من كعب ذلك الغزل على ما فيه من ذكر الأعجاز، والتشبيه بالخمر المعلول، لأن كعباً قال ذلك قضاء لحق الصناعة، ولم يصف فيه أمراً واقعاً، ولم يتحدث عن اشتغاله بالنساء أو بالخمر على مثل ما تحدث به الشعراء الفساق

وكذلك لا حرج في رواية ذلك الشعر بالغاً أمره ما بلغ، لأنه قد يكون في حفظه وروايته فوائد لغوية أو تاريخية، ومهما بلغ أمره فإنه لا يبلغ ما أجازه الإسلام من حكاية الكفر على طريق النقل؛ إذ حكم بأن ناقل الكفر ليس بكافر، وقد كان أبن عباس رضي الله عنه يروي شعر عمر بن أبي ربيعة على ما فيه من ذلك الحب الفاجر، والفسق الظاهر، ولا يعبأ بانتقاد الخوارج المتشددين في الدين عليه، لأن دين الله يسر ولا عسر، واعتدال محمود بين الجمود والتفريط

وإني أرى في الحب العذري رأي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فهو عندي من

<<  <  ج:
ص:  >  >>