للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مثل ما لهما من فنونه. وهما في ذلك طبقتان: أما من يميل إلى جزالة الشعر وفخامته وشدة أسره فيقدم الفرزدق. وأما من كان يميل إلى أشعار المطبوعين وإلى الكلام السمح السهل الغزل فيقدم جريراً).

والفرزدق عند الشعراء الحذاق الكبار والعلماء العارفين أعظم من جرير. روى الأستاذ المردمي في (الكتاب) عن (الموشح) للإمام المرزباني: (قال أبو الغوث يحيى بن البحتري: كان أبي يقول: لا أرى أن أكلم من يفضل جريراً على الفرزدق، ولا أعده من العلماء بالشعر. فقيل له: وكيف؟ وكلامك أشد انتساباً إلى كلام جرير منه إلى كلام الفرزدق. فقال: كذا يقول من لا يعرف الشعر. لعمري إن طبعي بطبع جرير أشبه، ولكن من أين لجرير معاني الفرزدق وحسن اختراعه؟ جرير يجيد النسيب ولا يتجاوز هجاء الفرزدق بأربعة أشياء: باليقين، وقتل الزبير وبأخته جِعثِن، وامرأته النوار. والفرزدق يهجوه في كل قصيدة بأنواع هجاء يخترعها ويبدع فيها)

وقد عرف الأستاذ المردمي من نبوغ الفرزدق ما عرفه البحتري، بل تنبه على من لم يتنبه عليه. وظني أن هذا ما بعث الأستاذ على أن يخص أبا فراس بكتابه، وإن كان طبعه - كطبع البحتري - لطبع جرير أشبه، وشاكلت رقَّتُهُ رقَّتَهُ

وقد نقد ضياء الدين بن الأثير رواية الموشح نقداً غير صواب، ومما قال: (إن البحتري عندي ألب من ذلك، وهو عارف بأسرار الكلام، وكيف يدعي على جرير أنه لم يهج الفرزدق إلا بتلك المعاني الأربعة التي ذكرها، وهو القائل:

لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل

فجمع بين هجاء هؤلاء الثلاثة في بيت واحد.

وإعجاب ابن الأثير بمثل هذا البيت أمرٌ إمْر. وهل هذا من درجة الاجتهاد التي بلغها وذكرها في قوله في مقدمة كتابه: (ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما هي متبعة) وقال ابن الأثير: (ولو سلمت للبحتري ما زعم من أن جريراً ليس له في هجاء الفرزدق إلا تلك المعاني الأربعة لاعترضت عليه بأنه قد أقر لجرير بالفضيلة؛ وذاك أن الشاعر المفلق أو الكاتب البليغ هو الذي إذا أخذ معنى واحداً تصرف فيه بوجوه التصرفات، وكذلك فعل جرير فإنه أبرز من هجاء الفرزدق بالقين كل غريبة) وأورد ابن

<<  <  ج:
ص:  >  >>