للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الحياتين، وكذلك أجزل الفتح المال والمال وسيلة الفن إلى الكمال، حيث أثمر هذا الاختلاط فكانت ثمرته تلك الحضارة الراسخة التي قال عنها بعض الإفرنج: إنها وليدة الحضارتين اليونانية والرومانية وما هي إلا عربية أصيلة الدم؛ لها لفحة الشمس وثورة الرمال التي لا تهدأ ولا تثوب. . .

هنا يدخل الدين بروحانيته في عداد هذه الأسباب التي أسبغت على الفن لوناً من ألوان الجمال الراكد والتأثير العميق. . . الدين الذي ارتقى بمعنويته إلى الله فعرفه، وغار في الأعماق فوقع على أسرار الكون وحقيقة الوجود، ثم تلمس الخلود عن المادة فطاوعته فإذا هي ريازة تبهر العقول، وإذا هي قباب تغرق في اللازورد، وإذا هي جوامع تبقى على الدهر باسم الله. . .

أما النفسية الطليقة. . . النفسية التي تجاذبتها عوامل البيئة الصحراوية المدنية، فرسمت على أديمها صفاء السماء وكدرتها، وخطت على صفحتها هدوء الطبيعة وثورتها، فقد تغنت بلسان حسان، وابن أبي ربيعه، والمتنبي، والمعري، وأبي تمام. فرجعت صدى هذه الأغنيات السنون. . .

ما كان للعربي الأول أن يبرع في فن التصوير ليعبر به عن خوالجه وآماله ومثله، ولكنه تكلم فصدق، وقال فكانت أقواله لوحات ترسم ألوان مشاعره منطلقة، حرة، عارية؛ وهذه وسيلة واحدة يتوسل بها ربيب الصحراء للتعبير عن خوالجه ونزعاته. . . لينقل كل ما يجيش به وجدانه من العواطف إلى أسماع تستلذ هذا الوقع الجميل وتستعذب هذه النغمة المطردة يلونها الزمن من حين إلى حين

على أن هذا الفن العريق الذي تتصل جذوره بأعماق الخيال البدوي كان اسبق وجوداً من بقية الفنون الأخرى

وعلى هذا السبيل الممهد تساوقت الفنون إلى البعث بعد أن كانت تثوي في ركن من أركان العقل البدوي ساكنة سكون البركان الذي يحمل معاني الثورة والاندفاع

لقد كان للطبيعية العربية القابلية الكبيرة على الأحداث والتوليد، وما الشعر إلا صورة من تلك الصور الممتعة التي عرفها العرب باسم (الآداب الرفيعة)، وذلك حينما تركز المجتمع في ظل المدينة وامتزج بعضه ببعضه ليكون هذا الفن الذي نشاهده في قصور الحمراء

<<  <  ج:
ص:  >  >>