للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

المودة والاحترام

فإن كانت باريس ضيمت بجناية الأدب والذوق فهي ضحية كريمة للأدب والذوق

وهل يكون الانتصار في الغزو دلالة باقية على شرف المغيرين؟

إن كان ذلك فهل عدَّ التاريخ من الشرف أن ينتصر التتار على بغداد؟ وهل عدَّ التاريخ من الشرف أن ينتصر أعداء العرب على إطفاء نور الحضارة الإسلامية بالأندلس؟

وهل عدَّ التاريخ من الشرف أن ينجح نيرون في إحراق ذخائر الرومان؟

المعاني الروحية والأدبية هي الباقيات على وجه التاريخ. فمن كان يرى الفضل كل الفضل في أن ينتصر جيش على جيش بقوة النار والحديد فستريه الأيام عواقب ما رأى فكره المنخوب، والزمنُ كفيلٌ برفع الغِشاوة عن بعض القلوب

الأدب هو سفيرنا في الشرق

ويتحدث قومٌ عن صوت مصر في الشرق، وأقول إن الأدب هو سفيرنا في الشرق، ولكن أيّ أدب؟

هو الأدب الرفيع الذي يشرَّح جميع الأهواء الإنسانية بحيث يشعر كل امرئ في الشرق أن له نصيباً من العواطف التي يهتف بها أدباء وادي النيل

ولست بهذا القول أعادي أنصار الفكرية المصرية الذين يرون أن تكون مصر مثابة أفكارهم فيما ينظمون ويكتبون، فمن حق المصري أن يجعل مصر قِبلة هواه، ولكن من واجبه وهو أديب أن يذكر أنه أديب، والأديب أعظم وأرفع من أن يَقْصر أهواءه على الشؤون المحلية. الأديب المصريّ مسئول عن الطب لأدواء من وثقوا به من أهل الشرق. الأديب المصري مطالب بأن يكون صوته صدىً لجميع آمال الشرق، ولجميع آلام الشرق. الأديب المصريّ هو الآسي لجروح الشرق، وهو القيثارة التي تصدح بأفراح الشرق

وهذا هو واجب كفاية - كما يقول الفقهاء - فلست أطالب كل أديب بأن تكون نوازعه شرقية، وإنما أستنكر أن يعاب على رجل مثلي أن تكون له سياسة أدبية تتجه نحو الشرق، ولمصر في الشرق أهلٌ وأصدقاء

والواقع أني أتهم قومي بلا موجب، فأدباء مصر جميعاً يضمرون أصدق العواطف للشرق، ولكن يُعوزهم التعبير المقبول، فهم يُوهمون قراءهم أنهم لا يعرفون غير مصر، ولو نطقت

<<  <  ج:
ص:  >  >>