للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

الصوت المدوي الذي ينادي به الدين أبناء الدين؛ وذلك هو الروح الكريم الذي يوحي به الإخلاص للأزهر ورسالة الأزهر؟

هذه إحدى الصورتين المتقابلتين في الأزهر!

الصورة الثانية

أما الصورة الثانية فيا الله! كيف أصورها؟ إنها صورة مظلمة قاتمة تنبو عنها العين، وينقبض لمرآها الصدر: شيخ يعيش في عصر النور والعلم ويأبى إلا أن يكون بروحه وعقله في عصر الجهالة والتعصب والغموض والإبهام

تقول له: قال الله، فيقول لك: قال فلان في شرح كذا أو حاشية كذا. وتقول له: تأمل هداية الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، واعتبر بتطبيقه لآيات الله، وفهمه وفقهه في أحكام التشريع. فيقول لك: هذه مهمة المجتهدين وقد انقضى عهدهم، وأصبح الزمان لا يجود بمثلهم. أما أنا فمقلد وسأبقى مقلداً، لأن فلاناً يقول في منظومته:

(وواجب تقليد حبر منهمُ. . .)

وهكذا يجعل التقليد واجباً له مرتبة العقيدة!

وتقول له: أنظر ماذا كان يفعل الأصحاب الأولون، وكيف كانوا يفهمون العقائد والأحكام كما نزلت في كتاب الله، لم تشبها الشوائب، ولم تفسدها المذاهب الباطلة، ولم تؤثر فيها النحل الغريبة؛ فيخالطه الشك في أمرك، ويجري لسانه بألفاظ يرددها ولا يفهم لها معنى: أهل السنة، المعتزلة، الباطنية، الإجماع، الإلحاد، الزندقة، إنكار الحقائق الشرعية. . . إلى غير ذلك. ولو سألته ماذا يقصد بهذه الألفاظ؟ ومتى حدثت في تاريخ الإسلام؟ ومتى جعلت معايير للكفر والإيمان لما وجدت جواباً!

وآفة الآفات في ذلك كله افتراض الثقة المطلقة في نظريات بعينها وأشخاص بخصوصهم، مع الشك المطلق أو الرفض المطلق لنظريات أخرى وأشخاص آخرين؛ ومثل هذه الطريقة لا يعرفها الإسلام ولا يرضاها لأهله، ويأباها القرآن الكريم الذي عظم شأن البرهان، ونعى على الذين يجمدون بدون تفكير على تقليد الآباء

هاتان هما الصورتان المتقابلتان في الأزهر. وقد أبدع الأستاذ الكبير صاحب الرسالة في تصوريهما إذ يقول في العدد الماضي من الرسالة:

<<  <  ج:
ص:  >  >>