للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بحكمه الذي قد يخالف حكمها في الاختيار والترجيح، فيقودها إلى الجاه والمال وهي تنقاد إلى الفتوة والجمال، أو يلزمها الوفاء للزوج وهي تنظر إلى رجل آخر نظرة الأنثى التي سبقت بفطرتها قوانين الأمم وقواعد الآداب

ولا تلبث أن تحتال على هذه البواعث حتى يغلبها حنو الأمومة فيربطها بمكان لا تود البقاء فيه، أو ينهض الكائن الحي في نفسها نهضة لا تطيع باعثاً غير بواعث الحياة بمعزل عن نزوة الأنثى قانون المجتمع وغرائز الأمهات

تناقض كهذا لا عجب فيه ولا مباينة للمعقول؛ لأن كل دافع من دوافعه مرجعه إلى سبب مفهوم موافق لسنة الأحياء

ثم يضاف إليه تناقض آخر يرجع إلى تعدد الدواعي في كل صفة من هذه الصفات

ونكتفي بصفة واحدة لأن توضيح الصفات جميعاً شرح يطول بنا في هذا المقام

فالمرأة في صفة الأنوثة، وهي تنضوي إلى الذكورة، تحب الرجل الكريم لأنه يغمرها بالنعمة ويريحها من شدائد العيش ويخصها بالزينة التي توهيها وترضى كبرياءها بين النظيرات والمنافسات، فضلاً عما في الكرم من معنى العظمة والاقتدار

ولكنك قد ترى هذه المرأة بعينها تتعلق ببخيل لا ينفق ماله على زينة ولا متاع، فهل هي مناقضة لطبيعتها في هذا الاتحراف العجيب؟

كلا: بل هي لا تناقض طبيعة الكبرياء نفسها التي ترضيها عن كرم الكريم؛ لأن المرأة يجرح كبرياءها أن ترى رجلاً يستكثر المال في سبيل مرضاتها، ومتى جرحت المرأة في كبريائها أقبلت باهتمامها وحيلتها وغوايتها من حيث أصابها ذلك الجرح المثير، وليس أقرب من تحول الاهتمام إلى التعلق في طبائع النساء

فالنزعة الواحدة قد تكون سبيلاً إلى النقيضين في ظاهر الأعمال، ولكنهما نقيضان لا يلبثان أن يتفقا ويتوحدا عند المنبع الأصيل، متى عرفنا كيف تنتهي الردة إليه

أما فهم الأنوثة على جملتها فمن الحق أن نذكر أن الأنوثة درجات، وأن لها أطواراً كثيرة بين الظهور والضمور. فليست كل امرأة أنثى من فرع رأسها إلى أخمص قدمها كما يقال قديماً في معنى التعميم والشمول، أو ليست كل امرأة أنثى مائة في المائة كما يقول الأوربيون اليوم؛ بل ربما كانت فيها نوازع إلى الأنوثة ونوازع أخرى إلى الرجولة، وربما

<<  <  ج:
ص:  >  >>