للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

النفس بعتبة المنزل، ورؤية واجهته وحدها بدون تطلع إلى ما وراءها. . .

كذلك هذه الأرض إنما هي عتبة من عتبات ملكوت الله الذي لا نرى إلا جزاءاً ضئيلاً من سطحه في السماء. . . ينبغي لنا ألا نخلد إليها وننسى ما وراءها. بل ينبغي أن نسأل الله مالك هذا الملكوت الأعظم، ونلح في السؤال أن يدخلنا إلى واسع ملكوته ورحاب رحمته وسبحات جماله وأفانين صنعه. . .

ذلك هو الموقف المعقول إن كنا ذوى طبع سليم وعقل غير مصروف ومزاج غير مؤوف!

دود!

رأيت دوداً حقيراً شنيعاً يرعى في جيفة كلب بشراهة، فتذكرت مصيري وفزعت. . .

ثم رأيت فكري يقول في رنة أسف وألم وتحد: أنت يا هذا الدود تأكلني وتمزق أوصالي وتغيبني في جوفك. . . ثم تفنى أنت أيضاً.!

لي الله! لك الله يا جسدي وأعضائي التي تجمعت لأكون! لكما الله يا قلبي ويا مخي! يا موضعي الأسرار الذهبية مني! والله لما اختزنتماه من معاني الحق والجمال والحب والخير والإيمان إن كان مصيرها كمصيركما!

هبوا أحشائي السفلى ومواضع القذر في جسمي تفنى هذا الفناء وتصير إلى المصير الرهيب؛ ولكن ما بال رأسي وقلبي يفنيان مع هذه الأنجاس والأقذار.! ما بال الرأس يساوى القدم واللسان يساوى الظفر!!

أنا فتى هذا الفناء مع الكلاب!!

كلا! لست هذه الأوصال. . . ولكنها دوابي وآلاتي أركبها وأعمل بها، تفنى وتتجدد في حياتي وتتهدم وتتخرب بعد مماتي. . . أنا الساكن المستخفي في جسمي ولا أراه! والذي يحدثني الآن ويحاكمني ويدير هذه الآلات ويوجهها. . ذلك كائن آخر له شأن آخر. . .

إنه هو الذي يتخلى عن تلك الأوصال. وسواء بعده رأس وقدم، وعين وظفر؛ فإنها آلاته ترساً ومسماراً، وجهاً أوقفا، لابد له منها ليعلم بها ما هنا ويستكمل شئونه.

إنه هو الذي ينظر أوصالي في جوف الأرض ويتعجب من شأنها معه الآن، وشأنها بعد أن يتخلى عنها. . .

إنه هو الذي يذكرها الآن بمصيرها لتجد وتعمل وتأخذ نصيبها من الإحساس والشعور

<<  <  ج:
ص:  >  >>