للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

على حساب الآخرين.

هذا هو حادث يوناتام عندما استعمل الآلة الصناعية، وتذكرون بجانبه ما كان من أمر الزعيم غاندي في الهند إذ دعا منذ سنوات إلى العودة لاستعمال مغزل القرون الوسطى فلم يصب طريقته النجاح في مزاحمة الآلة الصناعية، فاضطر الهنود بعدها إلى استخدام الآلات للغزل والنسج. وذلك لأن الحياة في هذا العصر غيرها في القرون الوسطى، ولان الآلات الصناعية حلت محل الأعمال اليدوية بسبب سرعة إنتاجها وقلة تكاليفها.

ويظهر من هذين الحادثين أن الآلة الصناعية جعلت من حلم يوناتام حقيقة ومن حقيقة غاندي حلماً لم يتحقق، والواقع أنه منذ اخترعت الآلة وسخرت لخدمة الإنسان أحدثت انقلابا كبيراً في حياة الشعوب والأمم اقتصادياً واجتماعياً بل وسياسياً. وإذا كان هذا الانقلاب لم يتخذ شكلا ظاهراً منذ قرن كما هو وأضح لنا الآن فما ذلك إلا لأن هذا التطور لم يحدث طفرة، ولأن ارتباط الشعوب اقتصادياً كان متمشياً مع انتشار الآلات وتحسينها تدريجياً وتخصص كل بلد بما اعتاد صناعته.

وإليكم ما حدث في إنجلترا مثلا عندما استخدم رجال الصناعة آلة المنزل التي اخترعها هارجريفز في منتصف القرن الثامن عشر فإنهم لم يفكروا أصلا في غير أرباحهم ولم يخطر ببالهم أنهم - سيحدثون انقلاباً عظيما في حياة الأفراد - وفي علاقات الدول إذ أن الواقع أن انتشار صناعة الأقمشة الصوفية والأجواخ في إنجلترا فتحت أمام نشاطها آفاقا جديدة فأوجدت لها أسواقا عالمية جعلت مقادير الصوف الخام - من الخراف الإنجليزية غير كافية لسد حاجات تلك الأسواق الكبيرة فولت الصناعة وجهها شطر أستراليا والأرجنتين وغيرهما لتستورد منها الأصواف فانتعشت بهذا تربية الأغنام في تلك البلاد النائية وأصبحت في إنجلترا قاصرة على تحسين النسل، وبهذا اختصت إنجلترا بالغزل والنسيج، واختصت أستراليا والأرجنتين بتربية المواشي حتى قيل إن أجر جز الصوف في أستراليا يوازي ثمنه، وأن قطعة القماش من الجوخ المصنوع في إنجلترا من صوف استراليا أقل ثمناً في سدني باستراليا من مثلها المصنوعة في أستراليا نفسها؛ ذلك لأن كلا البلدين أصبح مع مرور الزمن أخصائياً في عمله لا يستطيع الآخر أن يزاحمه فيه.

وكان الحال كذلك في الأقمشة الصوفية، فمنذ عرف أن المناخ الرطب في منشستر لغزل

<<  <  ج:
ص:  >  >>