للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يا أسفا! لن يعول الميت للحي شيئا، ومن يدرن؟ لعلنا ونحن نلحد للموتى وننزلهم في قبورهم يرون بأرواحهم الخالدة إننا نحن موتاهم المساكين، وإننا مدفونون في القبر الذي يسمونه (الكرة الأرضية)! وهل الكرة الأرضية من اللإنهاية إلا حفرة برجل نملة لتدفن فيها نملة. . .

الحياة. أتريد أن تعرفها على حقيقتها؟ هي المبهمات الكثيرة التي ليس لها في الآخر إلا تفسير واحد: حلال أو حرام.

ورجعنا مع الصديق إلى بيته، وله خمسة أطفالغار لو أنهم هم الذين انتزعوا من أمهم لترك كل واحد على قلبها مثل المكواة المحمى عليها في النار إلى أن تحمر. ولكن أمهم هي التي انتزعت منهم، فكان بقاؤهم في الحياة تخفيفاً لسكرة الموت عليها. وغشيتها الغشية فماتت وهي تضحك، إذ تراهم نائمين تحت جناح الرحمة الإلهية الممدود، وقالت: إنها تسمع أحلامهم، وكانوا هم عقلها في ساعة الموت!

تبارك الذي جعل في قلب الأم دنيا من خلقه هو، ودنيا من خلق أولادها! تبارك الذي أثاب الأم ثواب ما تعاني، فجعل فرحهاورة كبيرة من فرحغارها!

وجاء أكبر الأطفال الخمسة وكأنه ثمانية أرطال من الحناة، لا ثمانية ـعوام من العمر؛ جاء إلينا كما يجيء الفزع لقلوب مطمئنة، ' ذ كان في عينيه الباكيتين معنى فقدم الأم!

وطغت عليه الدموع فتناول منديله ومسحها يبدو الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها!

وظهر الانكسار في وجهه يعبر ببلاغة انه قد أحس حقيقة ضعفه وطفولته بازاء المصيبة التي نزلت به؛ وجلس مستسلماً تترجم بيئته معاني هذه الكلمة (رفقا بي!)

ثم تطير من عينه نظرات في الهواء كأنما يحس أن أمه حوله في الجو ولكنه لا يراها.

ولا يصدق إنها ماتت؛ فانوتها حي في أذنيه لا يزال يسمعه من أمس.

ثم يعود إلى وجهه الانكسار والاستسلام، ويتململ في مجلسه فينطق جسمه كله بهذه الكلمة (يا أمي!)

أحس_ولا ريب_أنه بمضيعة حدودها الحياة، لان الوجود كان أمه.

ولمس خشونة الدنيا منذ الساعة، بعد أن فقد الصدر الذي فيه وحده لين الحياة، لان فيه قلب

<<  <  ج:
ص:  >  >>