للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

العامة: أن نفحص وننظر أنه هل صيغ وفصل بحيث يتسع للأمثلة الجزئية التي استنبط منها فحسب، أم هل هو أوسع وأعم؟ فإن كانت الثانية، فينبغي أن نلاحظ أنه هل يؤيد سعته وعموميته، ويضمن لنا ذلك، بأن يشير إلى جزئيات جديدة؛ فلا نقف عند معروفاتنا السابقة، أو نقبض على ظلال وأشكال مجردة.

من الغلو في تقدير بيكن أن نعتبره خالق المنهج الاختياري والعلم الحديث؛ بل عكس ذلك هو الصحيح، فقد كان بيكن نتاجاً للأحياء العلمي في القرن السادس عشر، وليست دعوته إلا النتيجة، أو قل المغزى الذي استنبطه العقل الإنجليزي من الحركة العلمية. ولكن إذا لم يجز لنا أن نعده منشيءنا لمنهج التجريب والاختبار، فلا أقل من أن نرد إليه فضل انتشال هذا المنهج من الحضيض الذي ألقاه فيه تحامل المدرسيين وإعطائه كياناً قانونياً، إن صح التعبير، بأبلغ دفاع قيل فيه فليس بالأمر اليسير أن نجهر بما يفكر فيه الكثيرون، ولا يجرؤ أحد على أن يعترف به حتى لنفسه.

بل وأكثر من ذلك. فإن (العلم) الاختياري وطرائقه وإن كانت أنشيءت قبل عهد بيكن بزمن طويل، فأنه مع ذلك مؤسس (الفلسفة) الاختيارية، وأبو الفلسفة الوضعية الحديثة، من حيث أنه أول من أثبت، بأفصح القول وأبلغه، أن الفلسفة الحق والعلم الحق مشتركا المصالح، وأن الميتافيزيقا المستقلة عبث لا طائل وراءه. انه، وهو العدو المجاهر بعداوته للروح (الميتافيزيقية)، ليرجو قراءه بصراحة: (ألا يحسبوا أنا نطمع في إنشاء فرقة فلسفية، كاليونان القدامى أو بعض المحدثين، فما نقصد إلى ذلك، وليس من رأينا، بعد، أن الآراء المخصوصة المجردة في الطبيعة ومبادئ الأشياء ذات أهمية تذكر في حظوظ الناس). ومن هنا فهو لا يعارض أرسطو فقط، بل (كل رأي مجرد في الطبيعة)، أي كل مذهب ميتافيزيقي لا يقوم على العلم.

وأيضاً فإنه يميز بين (الفلسفة الأولى) و (الميتافيزيقا). فالفلسفة الأولى تعالج التصورات والقضايا العامة المشتركة بين العلوم الخاصة، وهي (بحسب قسمة بيكن الغريبة (المشتقة من قوى النفس الثلاث): الذاكرة والخيال والعقل) ثلاثة علوم رئيسية: (التاريخ) الذي ينتظم التاريخ المدني والتاريخ الطبيعي، و (الشعر) و (الفلسفة) التي تنقسم عنده إلى اللاهوت الطبيعي والفلسفة الطبيعية، والفلسفة الطبيعية، والفلسفة الإنسانية. أما (الميتافيزيقا)؛ فهي

<<  <  ج:
ص:  >  >>