للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فأما سابور فهزمته زينب بشجاعتها وبسالتها. وأما الروم فلم يبدأوا الحرب بعد. وأما المعني فاستأذن أذينة، ودخل عليه بوفد من أتباعه وأنصاره، فلما اشتد الهجير، وهدأ القصر، اغتاله وأعلن نفسه ملكاً على تدمر.

هاجت زينب هياجاً شديداً، وهتفت بقوادها المخلصين إلى الانتقام، وأهابت بشعبها إلى الثورة، وسارت بالجيوش إلى حمص، ثم حاربت المعني حروباً كثيرة، وصاولته بنفسها، وأخيراً أسرته، وحكمت عليه وعلى من ساعده ولاذ به بالصلب والفصد، وقالت هذا أقل ما يعاقب به خائن الوطن، وهكذا استأثرت بسرير تدمر وحدها، وما أجدر زينب بسرير تدمر، وما أليق زينب لأعظم من مثله.

كانت ميّ جميلة رائعة الجمال، حسناء بارعة الحسن، وكانت مي وفية كريمة شجاعة صبوراً، وكيف لا تكون كذلك وهي الابنة البكر لزينب ملكة العرب؟

وكان سولفا رئيس الوفد أميراً جميلاً فتاناً كريماً، اعتلقته مي اعتلاقاً شديداً، وشغفت به كثيراً، ولم يكن ما يضمر لها من الحب بأقل ما تضمر له، ولطالما اجتمعا وتشاكيا الهوى والجوى. إلا أن سولفا فارقها إلى روما ليفي عهد الرسالة، ومي تعذبت لفراقه كثيراً؛ وحنت إليه حنيناً، وبكت حتى كادت تتلف. وعلمت أمها بأمرها فعذرتها في نفسها، لأنها تعرف الحب ودلائله وأفعاله، وجنونه وفنونه. إلا أن الذي آلمها أن الروم أعداؤها وسيحاربونها، وما سولفا إلا رجل من رجالهم، بل قائد من قوادهم، فإذا خان وطنه في سبيل حبه استصغرته ولم ترض أن تصهر إليه، وإن لم يخن فابنتها مائتة غراماً ما في ذلك شك.

ولقد أقبلت عليها ذات يوم فقالت لها: أي مي! أي ابنتي العزيزة! لقد وكلت إليك ملك تدمر إلى حين، لما أعهد من حزمك ودرايتك، وأما أنا فذاهبة لأحارب الروم وأموت، أو أملك ما بين المشرق والمغرب. فتوكلت مي راضية مسرورة. إلا أنها بكت لفراق أمها كثيراً، وتجلدت لفراق سولفا وتصبرت فما ازدادت إلا حزناً ولوعة.

انقضى شهر، ثم أتى البشير يعلن انتصار مليكته على الروم، وإنها أسرت كثيراً من قادة الجيش وضباطه، فأمرت مي بسوق الأسرى إلى تدمر، وفي تدمر أطلّت عليهم من الطاق، فرأت بينهم الأمير سولفا، ففرحت كثيراً واندفعت إليهم، وحيتهم، ودعتهم إلى قصرها،

<<  <  ج:
ص:  >  >>