للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

هذا البخل المنقطع النظير وقال له: أن الناس يزعمون انك من شدة بخلك، وفرط تكالبك على حطام الدنيا لا تأكل اللحم - أو الأصح تشتريه - إلا في العيدين، فتأوه أبو العتاهية وقال: والله لقد ظلموني. وأني قد اشتريت لحما وتوابل في يوم عاشوراء.

على أننا نرى هذا البخل في حاجة إلى كلمة خاصة، فلقد كان من المنتظر أن يهب أبو العتاهية ولو مرة ليتلف هذا المال ويبذره جريا مع هذا المزاج، ولكنه لم يفعل هذا ولا جال بنفسه: وعلة هذا تعود إلى أمرين، أولهما انه نشأ في صميم الفقر، وذاق غصته، وعرف ان المادة هي كل شيء في قيم الرجال.

ما الناس إلا للكثير الما ... ل أو ما دام في سلطانه

وكان سيئ الظن بالناس، يخشى عادية الفقر، ويخشى ان طاح به غدر الزمان ألا يجد أخاً معينا.

أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه

فإذا احتجت إليه ... ساعة مجك فوه

والسبب الثاني، انه أرضى مزاجه الغريب، بمناضة الناس وشدة حرصه وتكالبه، فكلما عن له ان يتلف ماله ذكر سوء المنقلب. فيندفع غلوا في التقتير.

وابو العتاهية سوداوي المزاج من نوع خاص يميل إلى ما يميلون إليه، ولكن أعصابه ما كانت لتقوى على السير على منهاجهم. فهو يتبرم بالناس وينشد الوحدة.

برمت بالناس وأخلاقهم ... وصرت أستأنس بالوحدة

ولكنه لا يقوى على وحشة الوحدة. فيعود ليندفع بشدة في صخب الاجتماع، فهو ضعيف الأعصاب من جهة، ومضطربها من جهة ثانية، واصدق مظهر يدل على ضعف أعصابه ما كان من أمره في شأن الدين. فقد زعم أهل عصره انه كان زنديقا، وقد انتابه الشك في أمر العقائد، وجاراهم في هذه النظرة رجال النقد الحديث، ولكنهم لم يبينوا لنا مدى هذه الحيرة في أمر الدين، ومقدار هذا الشك. فهو قد شك وحار، ولكنه شك الطفل وحيرته، تروعه الأشباح وتتملك وعيه الهواجس، فلا يجد بدا من الاستسلام فيروح يتعلق بالدين تعلق الخائف. ويستسلم إلى خرافاته استسلام العجائز.

إلهي لا تعذبني فإني ... مقرُّ بالذي قد كان مني

<<  <  ج:
ص:  >  >>