للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

الزيارة والانتباه كالمال يدفع.

كما أن الفرنسيين يهتمون بالمبالغة والمغالاة، لهذا تعددت في لغتهم مرادفات كلمة (جداً) فيقولون: , , , , , , , , , , , ,

وهكذا تكون اللغة مقياساً دقيقاً للروح القومية في خصائصها العامة من جهة، وفي التضامن الاجتماعي أو التفكك والانحلال من جهة أخرى.

والسر الخفي في هذا المقياس يرجع إلى النسبة بين اللفظ والمعنى، لهذا يجب أن نعرف أن دلالة اللفظ على المعنى تكون بإحدى ثلاث: -

أولاً: (المطابقة) أي يكون اللفظ عين المعنى وليس غيره كما نطلق لفظ الإنسان على الحيوان الناطق، ولفظ البيت على مجموع الجدران والسقوف.

ثانياً: (التضمن) أي يكون اللفظ دالاً على جزء من أجزاء المعنى المطابق كما أنطلق لفظ الإنسان على الحيوان وحده، ولفظ البيت على الجدران فقط.

ثالثاً: (الالتزام) أي يكون اللفظ مطابقاً للمعنى الذي يلزمه أمر آخر ليس جزءاً منه ولكن مصاحباً وملازماً ومستتبعاً. كما نطلق لفظ المخلوق على الخالق ولفظ البيت على الكوخ.

ودلالة الالتزام ليست في الحقيقة دلالة لفظية، بل هي انتقال الذهن من المعنى الذي دل عليه اللفظ بالوضع إلى معنى آخر ملاصق له أو قريب منه. فاللفظ يدل على المعنى كله أو جزئه أو شيء آخر خارج عنه ملازم له.

والعلوم إنما تستعمل الألفاظ المطابقة على معانيها حتى لا يختلف في الأمر اثنان أو على الأقل يكون الخلاف أقل من أي خلاف آخر توجده الدلالتان الأخريان. فدلالة التضمن ودلالة الالتزام هما سبب شطحات الخيال، ونزوات السفسطة. ودلالة المطابقة لا تكون إلا بالاتفاق والاصطلاح. وحرصاً على التركيز العلمي، عمدت كل طائفة من العلماء إلى معاجم اتفقوا علة وضع مصطلحاتها، ولهذه المعاجم القول الفصل في كل خلاف. من ذلك ما صرح به المستر تشتشل إبان الحرب الأخيرة إذ قال فما كان من ساسة مصر النابهين إلا أن فطنوا إلى التورية الإنجليزية واللغة اللولبية التي اشتهرت بها، فطلبت حكومة مصر إيضاحاً لهذه الكلمة التي ربما انطوت على معنى (الحماية) التي جاهدنا بأموالنا ودمائنا في سبيل فك أغلالها عنا، ونزع كابوسها، فما لبث تشرتشل أن فسر قصده

<<  <  ج:
ص:  >  >>