للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

صواباً - من حيث اختارت البدء. ونحن في العالم العربي وريثو حضارة لا يمكن أن توصف بأنها صناعية مادية. واتجاهنا الآن إلى التصنيع والإنعاش الاقتصادي لا يبرر مطلقاً التقليد الأعمى والمحاكاة الضالة وتجاهل المقومات التقليدية الأصيلة المتأصلة فنياً والتي ورثناها عن ثقافتنا الكلاسيكية بما فيها من النزعات الروحانية والخلق القومي والاتجاهات العاطفة والصلات الاجتماعية والمشاعر والاحساسات الخاصة بنا والتي نتميز بها عن غيرنا من الأمم. وحتى لو تعمدنا تجاهل هذه المقومات لما استطعنا وإلا كنا أشبه بالديك الذي تعمد تقليد مشية الطاووس فلم يكن له من تكوينه الطبيعي عون على المحاكاة التامة فنسي مشيته وفقد نفسه وأصبح مدعاة إلى السخرية:

فطبيعة المجتمع العربي ليست كطبيعة المجتمع الأمريكي أو السوفيتي أو الفرنسي. فهناك اختلاف جوهري في التطور التاريخي والصناعي وفي العواطف والاحساسات والمشاعر. وسبب هذا التباين مستمد من العوامل البيولوجية، من الوراثة والبيئة والتفاوت في مستوى التطور.

فتغذية القارئ العربي بالإنتاج الثقافي (الخام) أمريكياً كان أم فرنسياً أم روسياً مخالف لسنن الطبيعة فوق مخالفته للمنطق السليم والمصلحة القومية.

ومشاكلنا الاجتماعية تختلف، وملذتنا وآلامنا ومستقبلنا الثقافي والسياسي والاجتماعي تختلف عن مثيلاتها في الثقافات الأخرى.

ولقد وجدنا أن الثقافة الأمريكية قد تحكمت في الزمان والمكان حين وضعت دعائمها وأسسها ومقوماتها واتجاهاتها البرجماتزمية. ومثل ذلك ينطبق على الثقافة السوفيتية الماركسية التي تذرعت بالديكتاتورية لتتحكم في الأوضاع والزمان والمكان.

فترك ميدان الفكر في العالم العربي في أيدي المغرورين من الديوك التي تحاول تقليد الطاووس الأمريكي أو الدب الروسي جريمة والنتائج المترتبة على هذا الوضع لن تظهر عواقبها السيئة ألا بعد مضى فترة غير قصيرة من الزمن. والزمن في حياة الأمم لا يقدر بالشهور والسنوات.

فلئن علت أصوات الإنكار لهذه التيارات من أدب اللذة والمجون (وعامية الذهن وسطحية الفكرة وسآمة الجد) فلأن الثقافة العربية حساسة لا تزال في جوهرها أصيلة وعريقة. ولقد

<<  <  ج:
ص:  >  >>